أخبارالرئيسيةفي الصميم

مشروع قانون مهنة المحاماة في ميزان المعايير الدولية

بقلم: *ذ. زهير أصدور

استقلال المهنة وحصانة الدفاع كخط أحمر حقوقي

يشكل النقاش الدائر اليوم حول مشروع قانون مهنة المحاماة لحظة مفصلية في مسار بناء دولة الحق والقانون، ليس فقط من زاوية تنظيم مهنة عريقة، بل من حيث احترام التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة. فالمحاماة، وفق المعايير الكونية، ليست مهنة عادية، بل ركيزة أساسية في منظومة العدالة، واستقلالها شرط لازم لحماية الحقوق والحريات.

لقد أقرت المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة سنة 1990، جملة من الضمانات الواضحة التي يتعين على الدول احترامها عند سن أي تشريع يهم مهنة الدفاع. وهي مبادئ لا تحتمل التأويل الضيق ولا التجزيء، لأنها تؤسس لمفهوم عالمي للمحاماة المستقلة.

أول هذه الضمانات هو استقلال المحامي في أداء مهامه. إذ تنص المادة 16 من المبادئ الأساسية على التزام الحكومات بضمان تمكين المحامين من أداء جميع وظائفهم المهنية «دون تخويف أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق». وهو مبدأ جوهري يجعل أي مقتضى تشريعي يُخضع عمل المحامي لسلطة الإدارة أو يفتح الباب للتدخل التنفيذي في شؤونه المهنية، مخالفة صريحة للمعايير الدولية.

ويرتبط بذلك مبدأ عدم مساءلة المحامي بسبب قيامه بواجبه المهني، حيث تؤكد نفس المادة (16/ج) عدم جواز تعريض المحامين للملاحقة أو العقوبات القانونية أو الإدارية بسبب أعمال يقومون بها انسجامًا مع واجباتهم وأخلاقيات مهنتهم. كما تشدد المادة 18 على أنه «لا يجوز، نتيجة لأداء المحامين لمهامهم، أخذهم بجريرة موكليهم أو بقضايا هؤلاء الموكلين». وهو ما يجعل أي خلط بين الدفاع والجريمة مساسًا خطيرًا بجوهر العدالة.

أما حصانة الدفاع، فتُعد من أقوى الضمانات التي كرستها المبادئ الأممية. إذ تنص المادة 20 صراحة على تمتع المحامين بالحصانة المدنية والجنائية عن التصريحات التي يدلون بها بحسن نية، سواء في مرافعاتهم الشفوية أو الكتابية أو أمام السلطات القضائية والإدارية. وهذه الحصانة ليست امتيازًا شخصيًا، بل ضمانة للمتقاضي حتى يتمكن دفاعه من التعبير الحر دون خوف أو ضغط.

ولا يقل مبدأ سرية العلاقة بين المحامي وموكله أهمية، حيث تلزم المادة 22 الحكومات باحترام وضمان سرية جميع الاتصالات والمشاورات المهنية بينهما. وأي تشريع يمس السر المهني أو يوسع الاستثناءات عليه خارج المعايير الضرورية والضيقة، يشكل انتهاكًا مباشرًا لهذا المبدأ، ويقوض الثقة في منظومة العدالة برمتها.

ومن أخطر ما يمكن أن يطال مهنة المحاماة هو المساس بـالتنظيم الذاتي للمهنة. فالمادة 24 من المبادئ الأساسية تقر بحق المحامين في إنشاء والانضمام إلى رابطات مهنية مستقلة، ذاتية الإدارة، تنتخب أجهزتها بحرية وتمارس مهامها دون تدخل خارجي. كما تؤكد المواد 26 إلى 29 أن التأديب المهني يجب أن يتم عبر هيئات مستقلة ومحايدة، مع ضمان المراجعة القضائية. وهو ما يجعل أي محاولة لإخضاع الهيئات المهنية لوصاية تنفيذية أو تقليص صلاحياتها التأديبية خرقًا واضحًا للمعايير الدولية.

إن هذه المبادئ، مجتمعة، تؤكد أن المحاماة ليست مجالًا للتجريب التشريعي ولا لتصفية الحسابات السياسية أو المهنية، بل مؤسسة دستورية غير منصوص عليها شكليًا، لكنها حاضرة جوهريًا في كل ضمانات المحاكمة العادلة. ولذلك، فإن أي مشروع قانون يُضعف استقلال المحامي، أو يحد من حصانته، أو يُفرغ التنظيم الذاتي من مضمونه، لا يمكن اعتباره إصلاحًا، بل تراجعًا حقوقيًا.

وعليه، فإن نضال المحامين المغاربة اليوم من أجل سحب مشروع قانون المحاماة، ليس نضالًا فئويًا أو دفاعًا عن امتيازات، بل هو معركة من أجل احترام الدستور، وصيانة التزامات المغرب الدولية، وضمان حق المواطن في دفاع حر ومستقل. فالدولة التي تُضعف محاميها، إنما تُضعف عدالتها، وتفتح الباب أمام محاكمة بلا توازن، وقضاء بلا حماية.
*رئيس مؤسسة عيون لحقوق الإنسان

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button