سجال “الفراقشية” يفضح التوتر الانتخابي داخل الأغلبية الحكومية

عاد منسوب التوتر السياسي ليرتفع مجددًا بين مكونات الأغلبية الحكومية، بعد التصريحات المتبادلة بين قيادات حزبي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال بشأن ملف المضاربة وارتفاع الأسعار، في مشهد يعكس بداية الاصطفافات الانتخابية المبكرة استعدادًا للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.
وكان نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، قد أثار خلال مهرجان خطابي بمناسبة الذكرى الثانية والخمسين لوفاة الزعيم عباس الفاسي، موضوع “الفراقشية” والمضاربين، مؤكداً أن حزبه يسعى إلى “حماية المواطنين من المضاربة والاحتكار”، في رسالة سياسية ذات حمولة اجتماعية واضحة مرتبطة بالقدرة الشرائية للمغاربة.
غير أن هذه التصريحات لم تمر دون رد داخل الأغلبية؛ إذ اختار راشيد الطالبي العلمي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس مجلس النواب، الرد بشكل مباشر عبر برنامج “للحديث بقية” على القناة الأولى، متسائلاً: “من المسؤول عن تنظيم التجارة الداخلية في المغرب؟”، في إشارة إلى وزارة الصناعة والتجارة التي يشرف عليها حزب الاستقلال.
وأضاف العلمي بنبرة سياسية لافتة: “ممكن كيهضر على راسو”، معتبراً أن تدبير السوق يتطلب مواكبة التحولات الاقتصادية الدولية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، قبل أن يؤكد في المقابل أن “الحكومة منسجمة ومتضامنة”.
ويرى متابعون للشأن السياسي أن هذا السجال يعكس تحوّل العلاقة داخل الأغلبية من منطق التضامن الحكومي إلى منطق التنافس الانتخابي، خصوصاً مع تزايد الضغوط الاجتماعية المرتبطة بغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، اعتبر حفيظ الزهري، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن اشتداد التجاذبات بين مكونات الأغلبية أمر طبيعي كلما اقتربت المواعيد الانتخابية، غير أن اللافت هذه المرة هو انتقال هذا التدافع إلى داخل التحالف الحكومي نفسه.
وأوضح الزهري أن الأحزاب المشكلة للحكومة تحاول تفادي تحمل الكلفة السياسية للملفات الاجتماعية والاقتصادية الحساسة، عبر تحميل المسؤولية لبعضها البعض، معتبراً أن المواجهة المباشرة بين “الأحرار” و”الاستقلال” تكشف وجود أزمة تواصل سياسي داخل الأغلبية.
من جهته، أكد رشيد لزرق، رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات، أن تصريحات بركة تحمل رسالة انتخابية موجهة إلى الفئات المتضررة من الغلاء، بينما جاء رد الطالبي العلمي لتذكير الرأي العام بأن تدبير ملف التجارة والأسعار يدخل ضمن اختصاصات الحزب نفسه الذي ينتقد الوضع.
وأشار لزرق إلى أن هذا النوع من السجالات لا يعني بالضرورة وجود أزمة حكومية حقيقية أو قرب انهيار التحالف، لكنه يعكس بداية تموقع انتخابي مبكر، حيث تسعى الأحزاب إلى التميز عن بعضها استعداداً لما بعد الولاية الحكومية الحالية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الحرب الكلامية قد يؤثر على صورة الانسجام داخل الأغلبية، خاصة في ظل تزايد الانتظارات الاجتماعية للمواطنين، وهو ما قد يفتح الباب أمام منافسة انتخابية قوية بين الأحزاب الثلاثة المشكلة للحكومة خلال انتخابات 2026.
وبين خطاب “محاربة الفراقشية” والدفاع عن حصيلة التدبير الحكومي، يبدو أن معركة كسب ثقة الناخبين قد انطلقت مبكراً، عنوانها الأبرز: من يتحمل مسؤولية الغلاء؟



