أخبارالرئيسيةكلام والسلام

أعطاب.. في زمن قطارات “الخليع”

يبدو أن القطارات في المغرب قررت أن تعيش على إيقاعها الخاص، بعيداً عن مفهوم “الوقت” الذي نعرفه نحن البشر. فبين تأخيرات متكررة، وأبواب ترفض الانفتاح كأنها في إضراب صامت، أصبح السفر عبر السكك الحديدية تجربة فلسفية، مفعمة بقصص إنسانية مؤثرة وجاذبة، أكثر منها وسيلة نقل تحملك من زمكان إلى زمكان أخر، ولو بعد تأخير يعلمك بعد أن تنتفخ أعصابك وتثقلك أسئلة تفشل في ايجاد أجوبة مقنعة في زمن قطارات السرعة الفائقة.

في زمن “قطارات الخليع”، الذي وعدنا بسرعة فائقة وانضباط زمني بالدقيقة والثانية، اكتشفنا أن القطار المغربي لا يتأخر… بل نحن من نستعجل المستقبل! فحين تقول الشاشة “القطار سيصل بعد خمس دقائق”، فهي في الحقيقة تقصد “خمس دقائق مغربية”، أي ما يعادل نصف ساعة من التأمل الإجباري في رصيف المحطة.

أما الأبواب، فحدث ولا حرج. هناك أبواب تفتح متى تشاء، وأخرى ترفض الانفتاح حتى لو توسلت إليها بكل لغات العالم. مشهد الركاب العالقين داخل القطار وهم يضغطون على الأزرار بلا جدوى أصبح طقساً يومياً من طقوس السفر المغربي. البعض يضحك، البعض يصرخ، والبعض الآخر يستسلم ويقرر أن يعيش داخل القطار إلى الأبد، فربما يجد فيه سكناً بديلاً!

الطريف أن كل تأخير يُبرَّر بعبارة رسمية أنيقة: “عطب تقني طارئ”. وكأن هذه الأعطاب كائنات فضائية تهبط فجأة على السكة دون سابق إنذار. لكن الحقيقة أن العطب الحقيقي ليس في القطار، بل في علاقتنا بالوقت. نحن أمة تتعامل مع الزمن كما نتعامل مع الطقس: نشتكي منه كثيراً، لكننا لا نغير شيئاً.

ورغم كل ذلك، يظل القطار المغربي رمزاً للحياة اليومية في هذا البلد الجميل العجيب؛ لا يأتي في موعده، لكنه يأتي في النهاية. لا يفتح بابه في الوقت المناسب، لكنه يفتح في آخر لحظة، تماماً كما نفعل نحن مع كل شيء في حياتنا.

ربما آن الأوان أن نتصالح مع هذه الأعطاب، ونعتبرها جزءاً من “الهوية السككية الوطنية”. فالتأخير صار جزءاً من التجربة، والانتظار صار فناً، والرحلة لا تكتمل إلا حين نصل متعبين، مبتسمين، ونحن نقول لأنفسنا:
“الحمد لله… القطار تأخر، لكننا وصلنا!”

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button