المفوض قال “شكراً”… والإعلام العسكري سمع “أنتم الأفضل في العالم”+فيديو

مرة أخرى، يبرهن الإعلام الرسمي الجزائري على مهارته في إعادة تدوير الخطاب الدبلوماسي وتحويله من مجاملات بروتوكولية عادية إلى “إنجازات عالمية” لا وجود لها إلا في العناوين العريضة لنشرات الأخبار.
فالتصريح المنسوب إلى المفوض الاقتصادي لإفريقيا التابع للأمم المتحدة، عقب لقائه بالرئيس الجزائري، لم يكن في جوهره سوى كلام تقليدي مألوف في اللقاءات الرسمية: إشادة عامة، عبارات احترام، وتأكيد على أهمية التعاون. لكن ما حدث بعد ذلك هو تحوير ممنهج للمعنى، يخدم سردية داخلية أكثر مما يعكس موقفاً أممياً حقيقياً.
الإعلام الجزائري قدّم التصريح على أنه اعتراف دولي بأن الجزائر “نموذج تنموي عالمي”، وهو استنتاج لم يرد لا لفظاً ولا مضموناً في أي وثيقة أممية. فالأمم المتحدة لا تعتمد النماذج التنموية عبر تصريحات شفوية، بل عبر تقارير، مؤشرات، وتصنيفات رسمية منشورة، وهي كلها لا تضع الجزائر في موقع “النموذج العالمي”.
أما الادعاء بأن الجزائر هي “الدولة الوحيدة عالمياً التي تضمن الكهرباء بنسبة 100%”، فهو مثال صارخ على الإضافة الإعلامية غير المسؤولة. هذا الكلام لا يستقيم عقلاً ولا واقعاً، إذ توجد دول عديدة تحقق تغطية كهربائية شاملة منذ سنوات طويلة، وبعضها بجودة أعلى واستقرار أكبر. بل إن تقارير جزائرية رسمية تتحدث عن تفاوت جهوي وانقطاعات، ما يجعل هذا الادعاء أقرب إلى الدعاية منه إلى الحقيقة.
وبخصوص التعليم المجاني، فقد جرى تضخيمه وكأنه إنجاز استثنائي نادر عالمياً، في حين أن المجانية بحد ذاتها ليست معياراً للتفوق. فالتعليم يُقاس بجودته، بمخرجاته، وبقدرته على خلق فرص حقيقية للشباب. والواقع أن نسب بطالة الخريجين، وهجرة الكفاءات، وترتيب الجامعات الجزائرية عالمياً، كلها مؤشرات تناقض الخطاب الاحتفالي الذي حاول الإعلام ترسيخه.
الأكثر إثارة للانتباه هو محاولة تصوير زيارة فريق الأمم المتحدة وكأنها جاءت “لتتعلم” من التجربة الجزائرية وتنقلها إلى بقية إفريقيا. هذا النوع من الصياغة معروف في الخطاب الدعائي: تحويل لغة دبلوماسية عامة إلى اعتراف بالريادة. في حين أن الأمم المتحدة تعتمد مقاربات تشاركية مع جميع الدول، وتستخدم نفس العبارات تقريباً في مختلف السياقات، دون أن يعني ذلك تبني نموذج بعينه.
واللافت في هذه القضية أن أوسع موجة تكذيب لم تأت من الخارج، بل من الداخل الجزائري نفسه. فقد عبّر جزائريون كثر على وسائل التواصل الاجتماعي عن استغرابهم وسخريتهم من هذه “الإنجازات الورقية”، متسائلين بمرارة عن الفجوة بين الخطاب التلفزيوني والواقع المعيشي.
في المحصلة، لم يكن تصريح المفوض الأممي سوى كلام دبلوماسي عابر، لكن الإعلام الجزائري اختار أن يحمّله ما لا يحتمل، في محاولة لصناعة صورة وردية مصطنعة. وهنا يبرز الإشكال الحقيقي: حين يتحول الإعلام من نقل الخبر إلى إعادة تأليفه، يفقد مصداقيته، حتى لدى جمهوره الداخلي.
فالتنمية لا تُقاس بالإطراءات، ولا تُبنى على تحوير التصريحات، بل تُحاكم بالواقع… والواقع، مهما جرى تزيينه، لا يمكن إخفاؤه طويلاً.



