Hot eventsأخبارأخبار سريعةثقافة و فن

من بدأ الحكاية

تحت كتابًا كنت أحببته، وأجلت الرجوع إليه، فانفتح في صدري، بلا مقدمات، كتاب آخر، وتزاحمت في رأسي حكايات لم أكن أنوي استدعاءها. كل ما كنت أريده هو أن أقرأ فحسب.

لكن عيني ذهبت إلى سطور غير موجودة، كأنها تتعقب أثرًا لم يكتب بعد، بينها كما حاولوا أن يعلموننا ونحن صغار، وأصابعي ترتج على الصفحات كأنها تفلت من زمنها، تبحث عن أثر أعرف به أنني مررت من تم يومًا، وتخرج من مداخل الذاكرة كلمات لم تتكوّن بعد، فلا أرى إلا ما تُسقطه الروح في لحظات سكونها الطويل.

وصارت عيناي تقرآن إلا ظلالا لا تستقر على الورق، وسبابتي تقلب الصفحات كأنها تعبث بالوقت وتعيد ترتيبه وتستيقظ أسماء نامت طويلًا في تجاويف المعنى.

وصار كل حرف شرارة ذكرى تدق على باب أعرفه، أخفيت خلفه قصصًا كنت دائما أرجئها، وتجيء كلماتٌ مستعجلة كأنها تخشى أن يفوتها موعدها ومكانها.

وكل كلمة صورة تظهر ثم تخبو تترك خلفها ما يشبه أنينا مكتومًا على حافة الشوق وفي عمق الجرح القديم، وأصداء عناوين طال عليها صمتُ الرواية وطول الانتظار وأسرارًا لم أحسم يومًا إن كنت أريد قولها أم تركها في مكانها. ويضغط ما تراكم من العمر، وخيال لا يهدأ، على رحم اللغة، فتتراخى قيود السرد القديم المتعب وتخرج صور مبعثرة تريد أن تتنفس بلا خوف ويتمخلق الكلام من أسرار سئمت الاختباء وتدفعني لأن أسمعه بدل أن أكتبه فيمشي حرا، خفيفًا من ثقل الأمس ويبحث في نور ولادته عن بداية جديدة. وأنا ….

بين عقل يشرح وقلب يستعيد، كمن يقف بين شيخين أصغي لبوح لا أعرف أهو دعاء يصعد، أم هذيان ذاكرة تريد الخلاص وأنتظر صدى يرد إلي هذا الاضطراب، لأعرف من بدأ الحكاية أهو الذهن ؟ أم الخيال ؟ أم ذلك الصوت القديم الذي يستيقظ كلّما تجرّأتُ وفتحت كتابًا؟

عبد اللطيف زكي

في الرباط، 13 دجنبر 2025

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button