
بقلم: الاستاذ مولاي الحسن بنسيدي علي
كثير من الناس يخطئون حين يظنون أن الماضي ملكٌ لهم، وأن ما عاشوه من جاهٍ وسلطانٍ ومالٍ ومكانة سيظل يلاحقهم إلى آخر العمر. يعتلي أحدهم منصة السلطة، فيتوهم أنه اعتلى الدنيا كلها، وينظر إلى الناس من علٍ، وكأنهم خُلقوا ليصفقوا له، ويخدموا أحلامه، ويمرروا نزواته.
وفي غمرة الزهو بالنفس، ينسى الإنسان أن المناصب عابرة، وأن الكراسي لا تُورث أصحابها الخلود، وأن التصفيق الذي يملأ القاعات اليوم قد يتحول غداً إلى صمت ثقيل لا يجد المرء فيه حتى من يسأل عنه.
يمضي العمر… يمضي في غفلة من أولئك الذين أسرتهم السلطة وأعمتهم الأضواء.
حتى يأتي اليوم الذي تُغلق فيه أبواب المكاتب، وتُسلّم المفاتيح، وتُطوى الملفات، ويجد صاحب المنصب نفسه خارج الديوان الذي كان يدخله دون استئذان، وخارج الدائرة التي كان الجميع يتسابقون إلى الاقتراب منها.
هناك، تبدأ الحكاية الأخرى.
حكاية رجل لم يعد يملك إلا الذاكرة.
يجلس في مجالسه، ويستعيد أيامه القديمة، فيقول:
كنت في أعلى عليين… كنت أجالس الملوك والوزراء ورجال الأعمال وعلية القوم. لم يكن أحد يجرؤ على معارضتي، وكانت كلمتي مسموعة، وهاتفي يصل إلى أعلى المسؤولين متى شئت. كنت أتحدث عن أحوال الناس، وأزعم أنني أعرف مطالبهم وآمالهم، فقد انتخبني المواطنون ومنحوني ثقتهم.
ثم يصمت قليلاً…
لكن ماذا فعلت بتلك الثقة؟
ارتفعت الأسعار، وضاقت معيشة المواطن، وتراجعت القدرة الشرائية، وتعلقت آمال حاملي الشهادات على أبواب الانتظار، وتغيرت سياسات الدعم، وظل المواطن البسيط يدفع ثمن اختيارات لم يكن شريكاً حقيقياً في صنعها.
وهكذا، لا يحتاج التاريخ دائماً إلى محكمة؛ فالذاكرة الشعبية قد تكون أحياناً أشد عدلاً من المحاكم.
ويأتي آخر فيقول:
كنت رئيساً للحكومة، يأتمر الناس بأمري، وأملك من النفوذ والمال ما جعلني أظن أنني قادر على إعادة تربية كل من لا يوافقني أو لا يعرف كيف يخاطبني. عشت في بحبوحة، واتسعت مداخلي، وارتفعت أسهمي، وكنت أظن أن نفوذي سيبقى ما بقيت الحياة.
لكن الأيام لا تعترف بالألقاب.
انقلب المشهد، وتغيرت الوجوه، وتراجعت المكانة، وصار من كان الناس يتقربون منه بالأمس يجد أبواباً كثيرة موصدة في وجهه اليوم.
وحين عاد إلى الوراء، قال في نفسه:
لو عاد بي الزمن، لفعلت كذا وكذا، ولرددت على خصومي الصاع صاعين، ولانتقمت ممن أساء إلى مكانتي.
يا لها من مفارقة!
حتى بعد سقوط السلطة، ظل أسير السلطة.
كان يظن أنه حر، فإذا به يكتشف أنه كان عبداً لذاته، مصفداً بأغلال الأنا.
وهؤلاء كثيرون؛ يعيشون لأنفسهم، ويموتون داخل صورتهم التي صنعوها عن أنفسهم، فلا يرون في المرآة إلا عظمتهم، ولا يسمعون في ضجيج العالم إلا صدى أصواتهم.
لكن الشعوب لا تتوقف عن الانتظار.
لقد جرّبت طويلاً الرجال والوعود والبرامج، ولعلها اليوم تتطلع إلى تجربة المرأة في قيادة الحكومة، أملاً في أن تأتي بما عجز عنه غيرها؛ أن تقترب من نبض الناس، وأن تجد حلولاً لمعضلات العمل والقدرة الشرائية والأسعار والمواد الغذائية، وأن تعيد للتعليم والصحة ما يستحقانه من عناية، وأن تحسن خدماتهما، وأن تنظر إلى المتقاعدين بعين الإنصاف، وإلى الشباب العاطل عن العمل بعين الأمل، وأن تجعل من السياسة وسيلة لخدمة الإنسان لا سلماً للصعود الشخصي.
والشعب، في نهاية المطاف، لا يطلب المستحيل؛ إنه يريد أن يشعر بأن الدولة تسمعه، وأن المسؤول الذي وصل إلى المنصب باسمه لم ينسه بعد أن جلس على الكرسي.
وإلى ذلك الحين…
يبقى قائل يقول:
وإننا لمنتظرون.
أما أنا، فقد وجدت بعد التقاعد طريقاً آخر، أغناني عن كثير من السجال، وأبعدني عن متاهات السياسة المظلمة.
وجدتني أنشغل بالبحث العلمي، وأجلس إلى فقهاء القانون، وأصغي إلى الأدباء والمفكرين، وأتعلم من تجارب الذين سبقونا، وأبحث في الكتب عن معنى الإنسان حين تسقط عنه الألقاب.
وهناك، اكتشفت أن العلم صديق لا يخون، وأن الكتاب لا يتغير بتغير المناصب، وأن الكلمة الصادقة قد تعيش بعد أن يموت صاحب الكرسي.
وفي أحد المجالس، قال لي فقيه من فقهاء المسجد الأعظم كلمة بقيت عالقة في وجداني:
من كان مع الله كان الله معه، ومن عمل صالحاً ترك في الدنيا أثراً طيباً، وفي الآخرة وجهاً كريماً.
عندها سألت نفسي:
ما الذي يبقى من الإنسان بعد أن يغادر منصبه؟
لا الكرسي يبقى، ولا الحراس، ولا السيارات، ولا المكاتب الفاخرة، ولا الهواتف التي كانت تفتح الأبواب المغلقة.
الذي يبقى هو الأثر.
تبقى كلمة طيبة قلتها في حق إنسان مكسور، ويد امتدت إلى محتاج، وموقف عدل اتخذته حين كان الظلم أسهل، وعلم نشرته، وفكرة أضأت بها طريقاً، وعملاً صالحاً تركته وراءك شاهداً لك لا عليك.
فهل يدرك من تولّت أمر الحكومة أن السياسة، مهما علت، ليست إلا امتحاناً آخر للإنسان؟
وهل يدرك صاحب السلطة أن أعظم انتصار ليس أن يخافك الناس، وإنما أن يذكروك بالخير بعد أن تفقد قدرتك على أن تأمرهم؟
وهل يدرك أولئك الذين ما زالوا يعيشون في أمجاد الماضي أن العمر لا يعود إلى الوراء، وأن الإنسان لا يستطيع أن يحكم الزمن كما حكم الناس؟
إن المناصب ترحل، والثروة تتبدل، والوجوه تتغير، والأصدقاء الذين كانوا يملؤون المجالس ينصرفون واحداً بعد آخر.
ويبقى الإنسان وحيداً أمام السؤال الأكبر:
ماذا قدمت حين كنت قادراً؟
فإن كان جوابه: خدمت الناس، وأقمت العدل، وخففت ألماً، وفتحت باباً، وعلّمت جاهلاً، وأعنت محتاجاً، وقلت كلمة حق…
فقد ربح.
أما إن كان جوابه كله: كنتُ… وكنتُ… وكنتُ…
فربما كان الماضي الذي يتغنى به ليس مجداً، وإنما سجناً جميلاً قضى فيه عمره وهو يظن نفسه حراً.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان في خريف العمر أن المجد الحقيقي ليس فيما كنتَ عليه، وإنما فيما تركتَه وراءك.
فطوبى لمن غادر الكرسي وبقي الإنسان في داخله.
وطوبى لمن انتهت سلطته على الناس، ولم تنتهِ قدرته على فعل الخير.
وطوبى لمن إذا طُويت صفحته، قالت عنه الأيام:
مرّ من هنا… فكان وجوده خيراً.



