
بقلم: ربيع كنفودي
لا يمكن تقييم البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 بمعزل عن حصيلة الحكومة السابقة، ولا عن الوعود التي رافقت ولايتها بشأن تحسين القدرة الشرائية، وخلق فرص الشغل، وإصلاح الصحة والتعليم، ومحاربة الفساد والريع، فالحكومة الجديدة لا تنطلق من فراغ، وإنما تتسلم ملفات مفتوحة واختلالات قائمة، وتتحمل مسؤولية توضيح ما ستواصل العمل عليه، وما ستراجعه، وما ستتخلى عنه بسبب تعثره أو محدودية أثره.
من هنا تبرز مفارقة سياسية تستحق الوقوف عندها، إذا كانت هذه الملفات نفسها تعود إلى صدارة البرنامج الجديد، فهل يتعلق الأمر باستمرارية إصلاحات تحتاج إلى وقت إضافي، أم أن تكرار الوعود يعكس فجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة في الولاية السابقة؟ الإجابة أكيد لا تقف فقط عند الخطاب الذي يتم ترويجه، وإنما بمقارنة الالتزامات السابقة بما تحقق منها فعليا، وتحديد أسباب التأخر أو الإخفاق، ومدى مسؤولية السياسات المعتمدة عن استمرار المشكلات.
فالقدرة الشرائية التي جاءت في البرنامج الحكومي، لا يمكن تقييمها عبر إعلان نوايا جديدة دون الوقوف على أثر التدابير السابقة في دخل الأسر وتكاليف معيشتها، خصوصا وأن وزير المالية الحالي سبق وأن صرح أنه تم صرف مبلغ مالي قدر 280 مليار درهم من أجل دعم القدرة الشرائية دون أن يحقق النتائج والأهداف المتوخاة. والتشغيل لا يمكن أن يقاس بعدد البرامج التي أُطلقت، بل بمدى قدرتها على توفير فرص عمل مستقرة والحد من البطالة والهشاشة، أما إصلاح الصحة والتعليم، فيقتضي تقييما واضحا لما تحقق في جودة الخدمات وتكافؤ الفرص، عوض إعادة تقديم الأهداف ذاتها وكأن النقاش يبدأ من جديد.
ومع هذا، فإن تحميل الحكومة السابقة مسؤولية الاختلالات لا يعفي الحكومة الحالية من مسؤوليتها السياسية، خصوصا وأنها اختارت مواصلة السياسات نفسها، مما يتطلب ويستوجب تقديم شروحات كيف ستتجاوز الاختلالات السابقة، وإذا قررت تغييرها، فعليها تحديد البدائل وكلفتها وآجال تنفيذها، أما وأن تكتفي بإرث الماضي لتفسير الصعوبات، من دون خطة واضحة للتصحيح، فسيحول المسؤولية السياسية إلى تبادل للاتهامات بدل أن تكون مدخلا للمحاسبة، وهنا سيجد المواطن المغربي نفسه أمام حكومة تعلق فشلها على الحكومة السابقة التي كانت شريكة وضمن مكوناتها. وتكتسب العلاقة بين البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة في هذا السياق، وبما أن التوجهات العامة للمشروع المالي سبقت تقديم البرنامج الجديد أمام البرلمان، يتعين على الحكومة توضيح ما إذا كانت الاعتمادات المقترحة كافية لتنفيذ تعهداتها، أم أن جزء منها سيظل مؤجلا إلى السنوات المقبلة، كما يجب التمييز بين الالتزامات الموروثة عن الحكومة السابقة والأولويات الجديدة التي تعكس اختيارات الحكومة الحالية.
إن المطلوب اليوم ليس محاسبة ومساءلة الحكومة السابقة سياسيا بصورة عامة، ولا منح الحكومة الجديدة مهلة مفتوحة باسم صعوبة الملفات الموروثة، بل وضع حصيلة دقيقة تحدد ما تحقق وما تعثر، وتوزع المسؤوليات على أساس القرارات والنتائج، فالاستمرارية في السياسات قد تكون ضرورية، لكنها لا تعني إعفاء المسؤولين السابقين من المساءلة، ولا إعفاء المسؤولين الحاليين من واجب التصحيح.



