
الأمم المتحدة تبحث مستقبل العدالة في عصر الذكاء الاصطناعي
الحدث الافريقي-أبوطبي
انطلقت اليوم السبت في العاصمة الإماراتية أبوظبي أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية – أبوظبي 2026، في محطة دولية بارزة تجمع مسؤولين حكوميين وقضاة وخبراء وممثلين عن أجهزة إنفاذ القانون ومنظمات دولية ومؤسسات أكاديمية ومجتمع مدني وشباب، لمناقشة التحولات المتسارعة التي تعرفها الجريمة العابرة للحدود وأنظمة العدالة الجنائية. ويستمر المؤتمر من 26 سبتمبر إلى 1 أكتوبر 2026 في مركز أدنيك أبوظبي.
وتكتسب الدورة الحالية أهمية خاصة بالنظر إلى حجم المشاركة؛ إذ يُنتظر حضور ما بين 3 آلاف و5 آلاف مشارك من أكثر من 97 دولة، من بينهم أكثر من 32 وزيراً للعدل والداخلية، إلى جانب 93 متحدثاً وخبيراً ومتخصصاً.
و ينعقد المؤتمر ينعقد تحت شعار: «تسريع العمل في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون: حماية الناس والكوكب وتحقيق أهداف أجندة 2030 في العصر الرقمي». ويضع هذا العنوان التكنولوجيا والتحول الرقمي في قلب النقاش الدولي، بعدما أصبحت الجريمة أكثر قدرة على تجاوز الحدود الجغرافية والاستفادة من الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وتشمل أجندة المؤتمر ملفات الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، الجرائم الإلكترونية، الاتجار بالبشر والمخدرات، غسل الأموال، الفساد، الجرائم التي تمس البيئة، وتطور استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في المجال الجنائي.
لكن النقاش لا يقتصر على توظيف التكنولوجيا في مكافحة الجريمة، بل يمتد إلى سؤال أكثر حساسية: كيف يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة دون المساس بالحقوق والحريات والخصوصية، ودون إضعاف الشفافية والمساءلة والإشراف البشري؟
إعلان أبوظبي.. وثيقة للسنوات الخمس المقبلة
من أبرز مخرجات المؤتمر المرتقبة إعلان أبوظبي، الذي يفترض أن يشكل إطاراً استراتيجياً للعمل الدولي في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية خلال السنوات الخمس المقبلة.
وبحسب المعطيات الرسمية الإماراتية، يستند مشروع الإعلان إلى أربعة محاور رئيسية: الوقاية والقدرة على الصمود. ثم العدالة وسيادة القانون والتهديدات الإجرامية المتطورة والمتداخلة فالابتكار والتعاون الدولي.
ويتضمن المشروع 18 مادة و67 فقرة، مع التوصل إلى اتفاق بشأن 98% من نصه قبل انعقاد المؤتمر، على أن يُطرح للاعتماد خلال اليوم الأول من أعماله.
ويعتبر استرداد الأموال ومواجهة الجريمة المالية، أحد الملفات البارزة التي يحملها إعلان أبوظبي من أجل تعزيز التعاون الدولي في استرداد الأصول ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة والفساد والجرائم المالية.
ويعكس ذلك اتجاهاً دولياً متزايداً نحو التعامل مع الجريمة المنظمة ليس فقط باعتبارها نشاطاً إجرامياً، وإنما باعتبارها منظومة مالية عابرة للحدود تستفيد من شبكات غسل الأموال وتحويل العائدات غير المشروعة.
كما يناقش المؤتمر تعزيز التعاون في المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المطلوبين، بما يرفع مستوى التنسيق بين الدول في مواجهة الجرائم التي لا تتوقف عند حدود دولة واحدة.
النساء والأطفال والضحايا في صلب منظومة العدالة
لا يغيب البعد الإنساني عن أجندة المؤتمر، حيث يتضمن مشروع الإعلان توجهات مرتبطة بحماية الضحايا والشهود والفئات الأكثر هشاشة، إلى جانب تعزيز مشاركة النساء في منظومة العدالة الجنائية ومكافحة العنف ضدهن، وحماية الأطفال وتطوير أنظمة عدالة تراعي احتياجاتهم.
وهذا البعد يربط بين مكافحة الجريمة وبين بناء مؤسسات عدالة أكثر قدرة على الاستجابة الاجتماعية، بدل الاقتصار على المقاربة الأمنية والقضائية التقليدية.
الشباب يدخلون النقاش الدولي
وقبل الافتتاح الرسمي للمؤتمر، احتضنت أبوظبي يومي 24 و25 سبتمبر المنتدى الأول «أصوات شابة من أجل العدالة»، بمشاركة 62 شاباً وشابة من دول مختلفة، بينهم 31 من مجالس الشباب في الإمارات.
وخلص المنتدى إلى إعداد بيان شبابي مشترك يتضمن رسائل وأفكاراً وتوصيات حول مستقبل منع الجريمة والعدالة وسيادة القانون، بما يعكس توجهاً نحو إشراك الشباب في صياغة السياسات المتعلقة بالتحديات التي تمس جيلهم، خصوصاً في البيئة الرقمية.
مؤتمر بحجم غير مسبوق
بحسب البيانات الرسمية، تمثل دورة أبوظبي أكبر نسخة في تاريخ مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، مع مساحة تتجاوز 30 ألف متر مربع، وبرنامج يضم 15 فعالية رفيعة المستوى وأكثر من 200 اجتماع جانبي حضورياً وافتراضياً، إضافة إلى معرض يضم 38 منصة.
كما تم تجهيز مركز إعلامي قادر على استقبال أكثر من 400 إعلامي، بما يعكس الحجم الدولي للحدث وأهمية مخرجاته بالنسبة للنقاش العالمي حول الجريمة والعدالة.
من جنيف 1955 إلى أبوظبي 2026
يعود تاريخ مؤتمرات الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية إلى عام 1955 في جنيف، وأصبحت هذه المؤتمرات، التي تنعقد كل خمس سنوات، منصة دولية لصياغة المبادئ والمعايير والسياسات المرتبطة بمنع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون.
وعلى امتداد أكثر من سبعة عقود، ساهمت هذه العملية الدولية في تطوير مبادئ ومعايير تتعلق باستقلال القضاء، وحقوق الضحايا، ومعاملة السجناء، وعدالة الأحداث، والتعاون الدولي، ومواجهة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود.
إفريقيا أمام تحديات الجريمة الرقمية والعابرة للحدود
بالنسبة لإفريقيا، تكتسب مداولات أبوظبي أهمية خاصة، في ظل اتساع التحديات المرتبطة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود، والاتجار بالبشر والمخدرات، والجرائم المالية، والتهريب، إضافة إلى تنامي الجرائم المرتبطة بالفضاء الرقمي.
ومن هنا تبرز أهمية التعاون الدولي في تبادل المعلومات والخبرات، وتطوير القدرات التقنية والقضائية، وتعزيز التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون والسلطات القضائية، خصوصاً أن الجرائم الحديثة باتت تعتمد على شبكات رقمية ومالية تتجاوز الحدود الوطنية.
كما يطرح التحول الرقمي أمام الدول الإفريقية سؤالاً مزدوجاً: كيف يمكن الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتعزيز العدالة ومكافحة الجريمة، وفي الوقت نفسه حماية البيانات والخصوصية وضمان حقوق المتقاضين؟
مؤتمر أبوظبي ليس مجرد اجتماع دوري للأمم المتحدة حول الجريمة، بل محطة لصياغة أولويات دولية جديدة للعدالة الجنائية في مرحلة تتغير فيها طبيعة الجريمة نفسها.
فالمجرم لم يعد يحتاج بالضرورة إلى عبور الحدود لارتكاب جريمة في دولة أخرى؛ التكنولوجيا والمال والشبكات الرقمية أصبحت قادرة على اختصار المسافات، وهو ما يضع التعاون الدولي وسيادة القانون أمام اختبار جديد.
والرهان الحقيقي الذي يحمله مؤتمر أبوظبي يتمثل في تحويل القرارات والإعلانات الدولية إلى أدوات عملية تستطيع الدول من خلالها مواجهة الجريمة المنظمة والرقمية والمالية، مع الحفاظ على التوازن بين الأمن والعدالة والحقوق الأساسية.



