قائد الحربة.. وهديل الحمام

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
قالها بلهجة لا تقبل المساومة، كمن يوزّع أوامر لا أفكارًا:
من لا يُحكم لجام حصاني الآن، ويسير بي حيث أشتهي، فلا حاجة لي به بعد أن أبلغ ميدان الفرسان، ويُعلَّق على صدري وسام “قائد الحربة”.
بعدها… لا مدح يعنيني، ولا تصفيق يُطيل قامتي، فكل ثناء مؤجل يصبح ضجيجًا بلا صدى. سأهزّ برنصي، فيتساقط الغبار ومعه الوجوه. فالصديق يُعرف عند الشدّة، وعند أول درجة في سلّم الصعود، هناك فقط يُفرز الرجال من ظلالهم. ومن يرفع عنك ثقل المرحلة، ويشاركك حمل أكياس قمح لإطعام أسراب الحمام، لا ليُطعم الحمام بل ليُسمن الولاءات.
وكان من الطريف—بل من كرم السخرية—أن الجميع خرجوا مقتنعين بأنهم اختاروا القائد، لا أنه اختارهم. كلٌّ منهم عاد إلى بيته يحصي الغنائم الوهمية، ويقيس بدلته أمام المرآة استعدادًا لصورة رسمية لم تُلتقط بعد. بعضهم رأى نفسه وزيرًا، وبعضهم مديرًا، وآخر اكتفى بحلم بسيط: بطاقة عبور دائمة إلى باب القائد. ولم ينتبه أحد أن أكياس قمح الحمام قد فرغت، وأن الحمام نفسه هاجر منذ زمن، بعدما أدرك أن الحبوب تُنثر لا لإطعامه، بل لاستدراجه إلى القفص.
أما القائد، فظل واقفًا في منتصف الخشبة، يحيّي تصفيقًا يعرف أنه لا يسمعه إلا وحده. لم يلتفت خلفه ليرى أن الجوقة لا تحفظ لحنًا، وأن الكومبارس يتبدلون أسرع من الأقنعة. وحده عبد القادر كان قد فهم الدرس متأخرًا، فهم أن الذل لا يُمحى بالهمس، وأن المسرح لا يهتز بسقوط الممثلين بل حين يقرر الجمهور الصمت.
وهكذا، أُغلقت الستارة… لا على نهاية الحكاية، بل على بداية إعادة عرضها، بوجوه جديدة، ونص قديم، وذلٍّ أكثر أناقة.
تململوا بخجل مصطنع، كعروسٍ في ليلتها الأولى، ترتجف لا حياءً بل خوفًا من انكشاف المستور. ثم انهالوا يقبّلون يد القائد الوافد، واحدًا تلو الآخر، صاغرين لا إيمانًا، بل طمعًا:
منصب هنا، ترقية هناك، إهانة مادية مغلّفة بلقب، أو قبضة من كيس قمح الحمام… المهم أن يظل الفم مفتوحًا.
وكان عبد القادر آخر الواصلين إلى طابور البيعة، يجرّ خلفه أذيال خيبته كما تُجرّ السلاسل. انحنى، لا احترامًا بل ثِقلاً، وهمهم بعبارة عامية تسللت كطعنة مكتومة:
“الله يذل من ذلّ بنا”.
وانتهى العرض.
أُسدل الستار على الكومبارس الجديد، وجوقته، وبقيت الخشبة شاهدة على مسرحية قديمة… تغيّر فيها البطل المتدثر ببدلته المخشوشنة، وبقي الذل يصفّق.



