أخبارالرئيسيةفي الصميم

دروس في تشكيل الحكومة وإدارة التحالفات وحدود القرار السياسي

لي فاتك بليلة فاتك بحيلة

ألمانيا- منير لكماني

لا تولد الحكومة يوم تعيين من سيقودها؛ فهي تحتاج إلى وزراء يجمعهم برنامج، وإلى أغلبية تدافع عنه حين يصبح تنفيذه صعبا. عين الملك فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيلها، فبدأت مرحلة تحمل رمزية تاريخية وامتحانا سياسيا مفتوحا. يفتح لها المثل «لي فاتك بليلة فاتك بحيلة» باب النظر في تجارب رئيسات حكومات سبقنها، وفي عثرات عرفها المغرب نفسه.

تبدأ الدقة من وصف موقعها الحالي. فالفصل 47 من الدستور ينظم تعيين رئيس الحكومة وأعضاء حكومته، وينص الفصل 87 على أن الحكومة تتألف من رئيسها والوزراء، بينما يجعل الفصل 88 تنصيبها رهينا بثقة مجلس النواب في برنامجها. المنصوري إذن رئيسة حكومة معينة ومكلفة بتشكيلها، لكن حكومتها الجديدة لم تتشكل أو تنصب بعد. وفي أثناء الانتقال، تواصل الحكومة المنتهية مهامها تصريف الأمور الجارية. أما تعثر عبد الإله ابن كيران في تشكيل حكومة سنة 2017، وانتقال المهمة إلى شخصية أخرى من حزبه، فيذكر بأن التعيين لا يحسم نتيجة المفاوضات.

تقدم السويدية ماغدالينا أندرسون درسا في هشاشة التحالفات. انسحب شريكها المرتقب يوم اختيارها لرئاسة الحكومة، فعادت إلى البرلمان قبل أن تشكل حكومة من حزب واحد. وحين تبلغ المفاوضات حافة القطيعة، يحضر بيت امرئ القيس:

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

للبيت مقامه في الشعر، وللسياسة حاجتها إلى التروي وحسن تدبير الاختلاف. على المنصوري أن تتفق مع شركائها على الأولويات والميزانية وسبل حل النزاع قبل توزيع الحقائب؛ فأغلبية تجمعها المناصب قد يفرقها أول قرار مكلف.

وفي فنلندا، أظهرت سانا مارين قدرة على إدارة الأزمات مع مواصلة الإصلاح. واجهت حكومتها الجائحة وتبدل الحسابات الأمنية الأوروبية، ومضت في إصلاحات تعليمية واجتماعية. لكنها غادرت الحكم عقب الانتخابات، في تذكير بأن النجاح في ظرف استثنائي لا يضمن ثقة الناخبين إلى الأبد. ستكون قيمة استجابة الحكومة المغربية للأزمات أكبر إذا تركت وراءها مدرسة أفضل، وعلاجا أيسر، وفرص عمل أوسع.

أما أنغيلا ميركل، فتقدم درسا في الإصغاء والتسوية وطول النفس. غير أن اعتماد ألمانيا الكبير على الغاز الروسي، وقد ظهرت كلفته لاحقا، يكشف خطورة تأجيل الأسئلة المصيرية حفاظا على هدوء الحاضر. تحتاج المنصوري إلى توافق يساعدها على اتخاذ قرارات مبكرة في الماء والتعليم والطاقة، حتى عندما يصعب شرح كلفتها الآنية. فالهدوء السياسي يفقد قيمته إذا أخفى أخطارا تتسع في صمت.

ومن جورجيا ميلوني يمكن استلهام وضوح الوجهة السياسية وقدرتها على إبقاء ائتلافها مجتمعا. لكن المنازعات القضائية التي أحاطت بسياستها في الهجرة تظهر أن الشعار يحتاج إلى أساس قانوني وخطة قابلة للتنفيذ. ينطبق ذلك على وعود السكن والتشغيل والحماية الاجتماعية في المغرب: قوتها في تمويلها ونتائجها، وفي قدرتها على الصمود أمام رقابة المؤسسات.

وتبرز تجربة الدنماركية ميته فريدريكسن جدوى التحالف عبر الحدود الحزبية المعتادة. في المقابل، أثار قرار إعدام حيوانات المنك خلال الجائحة جدلا بشأن أساسه القانوني وطريقة اتخاذه. تستطيع القيادة أن تتحرك بسرعة حين تفرض الظروف ذلك، وأن تتحقق في الوقت نفسه من الوقائع والاختصاصات، وتشرح قرارها لمن سيتحملون تبعاته.

تصدّر حزب المنصوري الانتخابات بمشاركة بلغت 38,02 في المئة. وهذه النسبة تجعل استعادة الثقة جزءا من مهمة تشكيل الحكومة نفسها. أمامها خمس تجارب، لكل منها ما يلهم وما يحذر؛ وأمامها مواطنون سيحكمون على التجربة السادسة بما تغير في حياتهم. عندئذ فقط تتحول السابقة التاريخية إلى أثر سياسي يبقى بعد انطفاء الاحتفاء بها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button