من الساحل إلى القرن الإفريقي..خريطة الأزمات تتسع وتتداخل

الرادار الإفريقي | الأربعاء 7 أكتوبر 2026
عين الرباط على إفريقيا
تدخل القارة الإفريقية يومها الجديد على وقع تطورات متسارعة في أكثر من بؤرة، من السودان وإثيوبيا إلى مالي والكونغو الديمقراطية وكينيا، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مقاربات إفريقية قادرة على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى أزمات إقليمية مفتوحة.
المشهد الإفريقي الحالي يؤكد أن القارة تدخل مرحلة جديدة تتداخل فيها الأمن والسياسة والاقتصاد والصحة والجغرافيا الاستراتيجية.
ومن الساحل، حيث تتغير التحالفات الأمنية، إلى القرن الإفريقي حيث يعود البحر الأحمر إلى واجهة الصراع الجيوسياسي، وصولاً إلى السودان والكونغو الديمقراطية، تبدو إفريقيا أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على بناء حلول إفريقية لأزمات تتجاوز حدود الدول.
وبالنسبة للمغرب، فإن هذه التحولات تعيد التأكيد على أهمية الحضور الإفريقي والدبلوماسية الاقتصادية والأمنية والصحية، خصوصاً في فضاء الساحل وغرب إفريقيا، حيث أصبحت التحولات الجيوسياسية سريعة ومؤثرة في توازنات القارة.
السودان..الحرب ترفض إغلاق أبوابها
يعود السودان إلى صدارة المشهد الإفريقي، مع استمرار المعارك واتساع رقعة المواجهات، خصوصاً في كردفان والنيل الأزرق. وفي آخر التطورات، أعلن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان رفضه العودة إلى المفاوضات، مؤكداً عزمه استعادة كامل الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
ويأتي ذلك في وقت تكثفت فيه التحركات الدبلوماسية لإنهاء الحرب، إذ عقد المبعوث الأميركي مسعد بولس لقاءً نادراً مع البرهان، بينما دعا قادة مصر وإريتريا والصومال والسودان إلى الحوار وإنهاء الحرب.
فالخطر لم يعد محصوراً في استمرار الحرب، وإنما في احتمال تحول السودان إلى فضاء لتثبيت سلطات متوازية وتقسيم فعلي لمناطق النفوذ، وهو السيناريو الذي حذرت منه شخصيات سودانية في سياق انتقاداتها لخطة وقف إطلاق النار الأميركية.
إثيوبيا..عودة التوتر إلى تيغراي والبحر الأحمر
تشهد إثيوبيا تطورات مقلقة مع تجدد القتال في إقليم تيغراي، في وقت أفادت فيه تقارير بسيطرة القوات الحكومية على مدينة ميكيلي، عاصمة الإقليم، وسط استمرار التوتر بين الحكومة الفيدرالية والقوى المرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي.
ويتزامن التصعيد الداخلي مع ارتفاع منسوب التوتر الإقليمي بشأن الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر. فقد جدد رئيس الوزراء أبي أحمد مطالبة بلاده بمنفذ بحري، مؤكداً أن الأمر يجب أن يتم عبر التفاوض والمنفعة المتبادلة، بينما تتمسك الدول الساحلية بسيادتها على موانئها ومياهها.
واللافت أن العلاقات الإثيوبية–الإريترية دخلت مرحلة أكثر حساسية بعدما قطعت أسمرة علاقاتها الدبلوماسية مع أديس أبابا، في تطور يزيد من تعقيد المشهد في القرن الإفريقي الذي يتحول مجدداً إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في القارة، حيث تتقاطع الحرب الداخلية مع قضية البحر الأحمر وسد النهضة والتحالفات الإقليمية.
الساحل.. مالي تستعيد كيدال بدعم روسي
في تطور بارز، أعلنت السلطات المالية استعادة السيطرة على مدينة كيدال الاستراتيجية شمال البلاد، بعد انسحاب مقاتلي جبهة تحرير أزواد.
وتقول السلطات المالية إن قواتها دخلت المدينة بدعم من Africa Corps الروسي، بينما وصفت الجبهة الانسحاب بأنه «تكتيكي ومنظم» جاء للحفاظ على قدراتها البشرية واللوجستية، في أعقاب ضربات جوية مالية مدعومة من مقاتلين روس.
وتحمل كيدال أهمية رمزية واستراتيجية كبيرة في الصراع بين باماكو والحركات الطوارقية، كما تعكس استعادة المدينة استمرار التحول في عقيدة مالي الأمنية، بعيداً عن الشراكات الغربية وتقارباً أكبر مع روسيا.
وأمام هذا الوضع، فإن استعادة كيدال لا تعني بالضرورة نهاية التمرد أو القضاء على التهديدات المسلحة؛ لكنها تؤكد أن باماكو تريد إعادة تثبيت سلطة الدولة في الشمال، ولو عبر تحالفات أمنية جديدة.
الكونغو الديمقراطية وكينيا.. إيبولا يعبر الحدود
صحياً، تتجه الأنظار إلى شرق ووسط إفريقيا مع تأكيد كينيا تسجيل أول حالة مستوردة من فيروس إيبولا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعدما توفي مواطن كيني كان يقيم في الكونغو وانتقل عبر أوغندا إلى نيروبي.
وتعمل السلطات الكينية حالياً على تتبع المخالطين والمسافرين المحتمل تعرضهم للعدوى. ووفق أحدث البيانات الأوروبية، سجلت الكونغو الديمقراطية حتى 5 أكتوبر 8603 حالات مؤكدة و4148 وفاة بسبب تفشي فيروس إيبولا من سلالة Bundibugyo.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن طبيعة التفشي، إلى جانب النزاعات وانعدام الأمن وحركة السكان والتجارة عبر الحدود، تجعل احتواء الفيروس أكثر تعقيداً. و إيبولا لم يعد قضية كونغولية فقط؛ انتقاله إلى كينيا يعيد إلى الواجهة تحدي الأمن الصحي الإفريقي المشترك، وضرورة تقوية أنظمة الرصد والاستجابة العابرة للحدود.
ووسط هذه الأزمات الأمنية والسياسية والصحية، يظل الاقتصاد حاضراً بقوة في المشهد الإفريقي. والمفارقة السودانية لافتة: ففي الوقت الذي يعيش فيه السودان واحدة من أسوأ الحروب في القارة، أعلنت السلطات تسجيل عائدات قياسية من صادرات الذهب بلغت 2.3 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026.
وهذا الرقم يكشف إحدى المفارقات الكبرى للاقتصاد الإفريقي: الثروة موجودة، لكن الصراع حولها وحول طرق توزيعها واستثمارها يظل أحد محركات عدم الاستقرار.
الحدث الإفريقي |نقرأ إفريقيا من الرباط.. ونقرأ العالم من إفريقيا.



