حين تتقاطع الثقة مع الدولة

ليس الخبر في كثرة العناوين، بل في الخيط الناظم بينها. هذا الصباح، يبدو المشهد المغربي كلوحة واحدة: نجاح رياضي يُترجم ثقة دولية، ودبلوماسية نشطة تُحصّن الموقع الإقليمي، واقتصاد يبحث عن نمو بهدوء، ودولة تُمسك بخيوط الأمن الغذائي والاجتماعي دون ضجيج.
نجاح تنظيم كأس أمم إفريقيا لم يكن مجرد انتصار لوجستي أو احتفالي، بل تمرين دولة كامل. الرسالة الأعمق أن المغرب حين يَعِدُ يفي، وحين يستضيف يُتقن، وحين يُستهدف بالتشكيك يرد بالفعل لا بالانفعال. هنا تحديدًا تتبدّى قيمة الشرعية الهادئة: شرعية تُبنى بالتراكم، لا بالردود الظرفية.
وفي الخلفية، تتحرك الدبلوماسية بثبات. توقيع اتفاقيات، احتضان مؤتمرات قارية، وترسيخ شراكات جنوب–جنوب، كلها إشارات إلى بلد لا يكتفي بالدور، بل يعيد تعريفه. ليس صدفة أن يُقرأ هذا الحراك جنبًا إلى جنب مع تقدم مؤشرات الحضور الدولي؛ فالدبلوماسية حين تُسند بالاستقرار الداخلي تصبح رأس مال سياديًا.
اقتصاديًا، يطفو سؤالان: النمو والتضخم. الأرقام المعلنة تُطمئن بلا مبالغة، وتُحذّر بلا تهويل. ارتفاع محدود في الأسعار يقابله أفق نمو واعد، إذا ما استُثمرت الثقة في إصلاحات ملموسة، خاصة في الطاقة والفلاحة والابتكار. الأهم هنا أن النقاش لم يعد عن “هل؟” بل عن “كيف؟” و“متى؟”.
في التعليم، إعلان تواريخ الامتحانات وإجراءات مواجهة التسريب يذكّر بأن بناء الثقة يبدأ من تكافؤ الفرص. لا شيء يُضعف الإحساس بالعدالة مثل امتحان مُخترق، ولا شيء يعيده مثل قرار سريع وحازم.
أما الأمن الغذائي، فطمأنة الأسواق ليست خبرًا عابرًا، بل حجر زاوية في السلم الاجتماعي. حين تتوفر المواد الأساسية ويُدار التزويد بعقل بارد، تنخفض حرارة القلق العام، ويُفسَح المجال للنقاش الرصين بدل الشائعات.
الخلاصة؟ هذا صباح تتجاور فيه السياسة بالرياضة، والاقتصاد بالثقافة، والإدارة بالمجتمع. صباح يقول إن الدولة القوية لا تصرخ، بل تُنجز. وأن الثقة—حين تُبنى—تصير خبرًا دائمًا، لا عنوانًا ليوم واحد.



