
أستاذ العلوم السياسية
في خضم التحولات الجيوسياسية العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط، عادت إلى الواجهة سردية تبرير الاعتداء على دول الخليج العربي ، بحجة استضافتها القواعد العسكرية الأمريكية، وهذه السردية التي تتكرر في خطاب بعض الفاعلين الاقليمين المسلحين وغير الدوليين، تقوم على افتراض مفاده أن وجود قواعد للولايات المتحدة الأمريكية يمنح المشروعية لاستهداف الدول المضيفة، غير أن هذا المنطق إذا ما خضع للفحص القانوني والسياسي، يفتقر إلى الأساس، ويؤسس لسابقة خطيرة تهدد بنية النظام الاقليمي بأسره.
وتستند اتفاقيات استضافة القواعد العسكرية إلى مبدأ السيادة الوطنية، وهو مبدأ راسخ في ميثاق الأمم المتحدة، فالدولة ذات السيادة تملك الحق الكامل في إبرام التحالفات الأمنية ، أو الاتفاقيات الدفاعية ، وفق تقديرها لمصالحها الاستراتيجية، وعليه ، فإن وجود القواعد الأمريكية في بعض دول الخليج لا يشكل انتهاكاً لسيادتها، بل يعكس خياراً سيادياً في إطار ترتيبات الأمن الجماعي.
ولقد تطور هذا الوجود العسكري في السياق التاريخي المعقد، بدءاً من حرب تحرير الكويت عام 1991م ، مروراً بحرب العراق 2003م ، وصولاً إلى ترتيبات الردع الاقليمي في مواجهة التهديدات المتعددة، وفي هذا السياق يمكن فهم الوجود الأمريكي بوصفه جزءاً من منظومة توازن القوى، وليس احتلالاً أو فرضاً قسرياً.
ويُعد مبدأ حظر استخدام القوة حجر الزاوية في النظام الدولي الحديث، كما نصت عليه المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، ولا يجيز القانون الدولي استهداف الدولة بسبب تحالفاتها أو ترتيباتها الدفاعية، وتحويل التحالف إلى ذريعة للعدوان يعني نسف قواعد العلاقات الدولية، وفتح الباب أمام الفوضى المعيارية ، التى يصبح فيها كل طرف خصماً مشروعاً لمجرد اختلاف تموضعه الاستراتيجي.
والأخطر من ذلك أن استهداف دول الخليج بحجة القواعد الأمريكية لا يضر بالولايات المتحدة الأمريكية ، بقدر ما يهدد الأمن القومي العربي ذاته، ويضع البنية التحتية المدنية والاقتصادية لدول المنطقة في دائرة الخطر.
وتشكل دول الخليج العربي مركز الثقل في سوق الطاقة العالمية، وتلعب أدواراً سياسية واقتصادية محورية ، في محيطها العربي والاسلامي، وأي اعتداء عليها لا يُقرأ فقط كحدث عسكري محدود، بل كتحدٍ مباشر لاستقرار النظام الاقتصادي الدولي.
ومن هنا فإن ترويج خطاب استهداف القواعد الأجنبية ، يتجاهل حقيقة أن الضربات لن تكون جراحية أو معزولة، بل ستطال مجتمعات ومدناً ومرافق مدنية، وهذا يضع الفاعلين الذين يتبنون هذا الخطاب أمام المسؤولية الأخلاقية والقانونية الجسيمة.
وقد يجادل البعض بأن الوجود العسكري الأمريكي يشكل استفزازاً لخصوم واشنطن في الاقليم، غير أن القراءة الأعمق تُظهر أن هذا الوجود كان في كثير من الأحيان جزءاً من معادلة الردع المتبادلة ، التى حالت دون انزلاق المنطقة إلى الحروب الشاملة، فالتاريخ القريب يبين أن فراغ القوة في الشرق الأوسط غالباً ما يُملأ بالصراعات، لا بالتسويات.
والتحدي الحقيقي لا يكمن في وجود القواعد الأجنبية أو غيابها، بل في غياب منظومة الأمن الاقليمي الجماعي العربية القادرة على إدارة التوازنات دون ارتهان كامل للخارج، وهنا تبرز الحاجة إلى المقاربة العربية المستقلة ، التى تعيد تعريف الأمن المشترك بعيداً عن منطق المحاور.
هذا وتدرك دول الخليج أن بيئتها الاستراتيجية معقدة، وأن التهديدات متعددة المصادر، ولذا فهي تتبنى سياسات تنويع الشراكات، فلا تقتصر علاقاتها على واشنطن وحدها، بل تمتد إلى القوى الدولية الأخرى الصاعدة، فإن الاعتداء على دول الخليج تحت ذريعة القواعد الأمريكية ، قد يشعل المواجهة الواسعة النطاق التى تتجاوز الحسابات الأولية لمن يبدأها.، فالتشابك العسكري والاقتصادي في المنطقة يجعل أي تصعيد مقامرة غير محسوبة العواقب.
ولاشك أن استهداف دول الخليج بحجة وجود القواعد الأمريكية يمثل انزلاقاً خطيراً نحو شرعنة العدوان ، وتقويض النظام الاقليمي، والدفاع عن سيادة الدول لا يكون عبر ضرب سيادة الدول الأخرى، بل عبر بناء التوازنات العقلانية ، وآليات الحوار الاقليمي المستدامة.
وفي لحظة تتكاثر فيها بؤر الاشتعال في الشرق الأوسط، يصبح الرهان الحقيقي ليس على الصواريخ، بل على الحكمة السياسية، وإعادة تعريف مفهوم الأمن ، بعيداً عن منطق الثأر والمحاور، فالخليج ليس ساحة تصفية للحسابات، بل ركيزة للاستقرار العربي والدولي، وأي عبث بأمنه ستكون كلفته أكبر بكثير من شعارات التبرير ، التي ترفعها أطراف الصراع.
حفظ الله الخليج وأهله موقور الكرامة.



