Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

منطقة الساحل لم تخسرها فرنسا فقط بل أوربا بأكملها

بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي

هناك حقيقة بديهية، كون منطقة الساحل تعتبرها أوربا من أهم أولويات الأمن الأوروبي. ومع ذلك، ورغم تأكيد القادة الأوربيون مجددًا التزامهم تجاه المنطقة، لا يزال هناك إجماع ضئيل حول الإجراءات الواجب اتخادها في ظل التغيرات الحاصلة والمتجددة. في هذا السياق، من المفروض فهم التاريخ الحقيقي للصراع والتفكك والبناء لمنطقة الساحل، إذ يعتبر أمرا بالغ الأهمية لتحديد كيفية مساهمة أوروبا في استقرار وصراع القارة.
إن إلقاء اللوم على باريس فيما حصل ويحصل بالمنطقة أمر وارد، وقد تكون فرنسا بحاجة لاستجابة أوربية جماعية لحل مشاكل المنطقة. والحقيقة أن فرنسا تتحمل المسؤولية الرئيسية عن الوضع في منطقة الساحل. فقد انتهجت باريس سياسة عسكرية استعمارية جديدة وتجاهلت سياسات الدول المتعلقة بالشرعية والحكم، مما أدى إلى تأجيج الصراع والانقلابات والحروب.
صحوة الأفارقة جاءت نتيجة تراكمات وممارسات تاريخية استعمارية وما بعدها، سياسة باريس لم تستطع التخلص من ثوب المسيطر على عقول الأفارقة والمستغل لثرواتهم الوطنية، إلا أن الأفارقة أدركوا مؤخرا بأن قواعد اللعبة قد تغيَّرت، ويجب أن تصب في مصلحتهم الوطنية لا في مصلحة فرنسا. فالمجتمعات الإفريقية أدركت جيدا حقيقة فرنسا وأروبا قاطبة، فاتجهت نحو إصلاح الوضع وعودة القرار وخيرات البلدان لأهلها وهو ما أزعج معظم الدول الأوروبية.
فرنسا ولعقود طويلة اعتبرت مستعمراتها القديمة مناطق ارتكاز، ومناطق نفوذ استراتيجي، شكلت هذه المناطق شريان اقتصادي حيوي لها، لذلك بسطت نفوذها على المنطقة مما أمن لها بذلك الهيمنة العسكرية، الاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية، وارتكز نُفوذُها على تجنيد نخب سياسية وحزبية وعسكرية، لضمان بقائهم فترة أطول في الحكم، مما سهل على باريس زيادة التغلغل الاقتصادي بإبرام عقود وصفقات تجارية طويلة الأجل، أنهكت اقتصادات الدول وأفقرت شعوبها.
إلا أن الأفارقة ينظرون إلى فرنسا اليوم بأنها لا تزالُ تُمارس سياسة النفوذ غير المبرر للسيطرة على الثروات الطبيعية، في المقابل فإن الأغلبية العظمى من الشعوب تعيش حالة الفقر وغياب أدنى شروط التنمية والاستقرار السياسي والاجتماعي. حيث كل الأصابع وجهت لفرنسا المحرك الرئيسي لدمى الفتن والانقلابات من أجل التواجد بالمنطقة واستنزاف خيرات القارة ولو على حساب الشعوب.
فقد حاولت فرنسا في عام 2017 تغيير أسلوب علاقاتها مع دول المنطقة، حينما دعا الرئيس ماكرون من عاصمة بوركينافاسو إلى قطع العلاقات مع الماضي ووضع حد للروابط الغامضة بين الطرفين. حيث دعا إلى نهج سياسة جديدة ترتكز على المعاملة بالمثل وتوثيق العلاقات، إلا أن ذلك لم يشفع له، لأن قطار التغيير كان قد انطلق، وانتفضت الدول والشعوب عليه، خاصة في تلك التي كان يأمل بأن تتحسن علاقاته السياسية معها مثل النيجر ومالي وبوركينافاسو.
فرنسا انتهت بإفريقيا، لكنها لم تتخلى بعد عن أهدافها الاستراتيجية والمخططات الأوروبية بالقارة، فقد تعود فرنسا كما فعلت دول قوية أخرى بمناطق عدة بالعالم، إلى الاستثمار في الإرهاب والفتن لزعزعة الاستقرار وتعود المنطقة من جديد كحديقة خلفية ونفوذ استراتيجي لباريس، لأن اقتصاد أوربا لن يصمد كثيرا أمام الأزمات التي يعيشها اليوم.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button