وطنية بلا تربية

ما فعله قاصرون وهم ينزلون راية دولة مشاركة في “كان المغرب 2025” ليس حادثًا معزولًا، ولا شغبًا عابرًا يمكن دفنه بتبرير العمر أو شحن العاطفة. هو فعل صغير في حجمه، كبير في رمزيته، لأنه لم يُسقِط قماشة ملوّنة فقط، بل كشف عن ارتباك عميق في فهمنا للتربية، للمواطنة، ولصورة البلد وهو يستقبل القارة.
الأسهل دائمًا هو البحث عن “العدو”: دولة مستفِزّة، تاريخ متوتر، جماهير غاضبة، أو شبكات اجتماعية تنفث سمومها. لكن الأصعب، والأكثر إيلامًا، أن نعترف بأن جزءًا من المشكلة يسكن داخلنا. في البيت، في المدرسة، وفي الفضاء العمومي الذي تركناه يتكفل بتنشئة أبنائنا بدلنا.
الطفل لا يولد وهو يفهم معنى الراية ولا رمزيتها، لكنه يتعلم سريعًا معنى الاحترام أو الاستخفاف. حين يكبر وهو يرى الممتلك العام مباحًا، والكلام العدائي بطولة، والضجيج انتصارًا، فمن الطبيعي أن يخلط بين “الغيرة الوطنية” و”الفعل الفوضوي”. هنا لا تعود المسألة سياسية ولا رياضية، بل تربوية بامتياز.
الأسرة مسؤولة، نعم، لكنها ليست وحدها. والمدرسة مقصّرة، نعم، لكنها ليست شماعة جاهزة. الأخطر هو هذا الفراغ القيمي الذي نملؤه خطابات متطرفة على منصات التواصل، ونتركه بلا بوصلة داخل الفصل الدراسي. نُدرّس المعارف وننسى السلوك، نلقّن الدروس ونهمل القدوة، ثم نتفاجأ عندما يتصرف المراهق بعقلية الشارع لا بمنطق المواطن.
ثم هناك سؤال القانون. القاصر ليس بريئًا دائمًا، ولا مجرمًا كامل الأهلية. هو في منطقة رمادية، تحتاج إلى حزم ذكي لا إلى تساهل أعمى ولا إلى انتقام أخلاقي. المحاسبة التربوية هنا أهم من العقوبة، لأن الهدف ليس كسر الطفل، بل تصحيح المسار قبل أن يستقيم العوجُ بالقسوة.
والأهم من كل هذا: الضيوف في المغرب، مهما كانت الخلافات، هم ضيوف. واحترامهم لا يعني التنازل عن المواقف، بل الارتقاء بها. الدولة القوية لا تُثبت سيادتها بإنزال الأعلام، بل بعلو السلوك، وضبط الشارع، وتحصين الأجيال القادمة من خلط الوطنية بالفوضى.
الراية أُعيد رفعها في مكانها. لكن السؤال الحقيقي: هل سنعيد رفع راية التربية في بيتنا ومدرستنا وإعلامنا؟ أم سننتظر حادثًا آخر، وراية أخرى، لنكتب العمود نفسه… بحبر أكثر غضبًا وأقل وعيًا؟



