Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة بين الإطار الدستوري والالتزامات الدولية للمغرب

بقلم/ الاستاذة سليمة فراجي

يعيش المحامون حالة غير مسبوقة من القلق والغليان داخل جسم المحاماة بالمغرب، على خلفية مشروع تعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الذي تم إعداده في غياب منهج تشاركي حقيقي، ودون إشراك فعلي للهيئات المهنية المعنية، وفي سياق يطغى عليه منطق الانفراد ان نقل التغول التشريعي وتوسيع نفوذ السلطة التنفيذية، ممثلة في وزارة العدل، على حساب استقلال مهنة الدفاع.

إن خطورة هذا المشروع لا تكمن فقط في بعض مقتضياته التقنية، بل في فلسفته العامة التي تهدد بتحويل المحاماة من مهنة حرة مستقلة، شريكة في تحقيق العدالة، إلى نشاط مهني خاضع لمنطق الوصاية والضبط الإداري

وفي هذا الصدد لا بد ان نضع المشروع في سياقه الدستوري وكذا استحضار سمو الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب على التشريعات الوطنية، وضرورة ملاءمة هذه الأخيرة معها علما ان الدستور نص على الحق في الولوج إلى العدالة في الفصل 118 و ضمانات المحاكمة العادلة في الفصل 120 و استقلال السلطة القضائية ، ولا يمكن تصور أي تفعيل حقيقي لهذه المبادئ دون محامٍ مستقل، حر، وغير خاضع لأي ضغط أو تدخل.

وفي هذا الصدد وبما ان المغرب جزء من المنتظم الدولي لا بد من استحضار مبادئ هافانا بشأن دور المحامين اذ تشكل “المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين”، المعتمدة في مؤتمر الأمم المتحدة بهافانا سنة 1990، المرجعية الدولية الأساسية لمهنة المحاماة.ومن بين ما نصت عليه:

استقلال المحامين: اذ تكفل الحكومات أن يتمكن المحامون من أداء جميع وظائفهم المهنية دون ترهيب أو إعاقة أو تدخل غير مبرر.” (المبدأ 16)

وبالنسبة للتنظيم الذاتي للمهنة فانه للمحامين الحق في إنشاء منظمات مهنية ذاتية الإدارة دون تدخل خارجي.” (المبدأ 24)

وبالنسبة لاستقلال الهيئات المهنية نص المبدأ انتخاب الهيئات التنفيذية للمنظمات المهنية من قبل أعضائها وتمارس وظائفها دون تدخل خارجي.” (المبدأ 25)

اما بخصوص ضمانات ومساطر التأديب يخضع المحامون للتأديب أمام هيئة مستقلة، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة.” (المبدآن 26 و27)

نستنتج من ذلك ان اي تشريع وطني يتعارض مع هذه المبادئ يُعد إخلالًا بالتزامات المغرب الدولية، ومخالفة صريحة للدستور.

وفي هذا الصدد لا بأس ان اشير إلى اوجه التعارض بين مشروع القانون ومبادئ هافانا

ان مشروع تعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، في صيغته المتداولة، يثير الملاحظات الجوهرية التالية:

-المساس باستقلال المهنة من خلال توسيع مجالات تدخل السلطة التنفيذية، وتقليص هامش القرار المهني الحر، بما يحوّل المحامي إلى فاعل خاضع للرقابة بدل أن يكون شريكًا مستقلًا في تحقيق العدالة.إضعاف التنظيم الذاتي للهيئات المهنية عبر إعادة هندسة اختصاصات المجالس المنتخبة أو تحجيم دورها، في تناقض مع مبدأ التنظيم الذاتي المنصوص عليه دوليًا ودستوريًا.
من جهة اخرى التهديد غير المباشر لحق الدفاع لان كل مساس باستقلال المحامي هو، بالضرورة، مساس بحق المتقاضي في دفاع حر وفعال، وهو ما يتعارض مع جوهر المحاكمة العادلة.

علما ان المنهج التشريعي المعتمد هو تشريع إقصائي يتنافى مع المقاربة التشاركية التي نص عليها الدستور، ويجعل من المشروع تعبيرًا عن إرادة أحادية، لا عن توافق مؤسساتي.

حول مسؤولية البرلمان وجمعية هيئات المحامين

-مسؤولية البرلمان

إن البرلمان، بصفته سلطة تشريعية مستقلة، مطالب اليوم بعدم تمرير أي نص يمس باستقلال المحاماة مع إخضاع مشروع القانون لرقابة دستورية وحقوقية صارمة و الاستماع الحقيقي لممثلي المهنة وهيئاتها مع ضمان ملاءمة القانون مع مبادئ هافانا والتزامات المغرب الدولية

حول مسؤولية جمعية هيئات المحامين بالمغرب
ان جمعية الهيئات، باعتبارها الإطار التمثيلي الوطني للمهنة، مدعوة إلى اتخاذ موقف واضح وحازم دفاعًا عن استقلال المحاماة مع التصدي لكل محاولة لتغوّل السلطة التنفيذية على المهنة وتوحيد الصف المهني وقيادة نضال مؤسساتي مسؤول مفاده ان المحاماة ليست امتيازًا مهنيًا، بل ضمانة مجتمعية

ختاما ان ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف حول نص قانوني، بل معركة دستورية وحقوقية حول طبيعة العدالة في المغرب.

فإما محاماة مستقلة، قوية، حرة، تحمي حقوق المواطنين،

وإما محاماة مُدجَّنة، خاضعة، فاقدة لدورها التاريخي

لذلك فإن اي مساس باستقلال مهنة المحاماة هو مساس بدولة القانون نفسها، وأن التاريخ لن يرحم من فرّط في أحد آخر حصون الدفاع عن الحقوق والحريات !

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button