العدالة بين المطرقة والبذلة السوداء
يبدو أن العدالة في المغرب لم تعد تُمارس فقط في قاعات المحاكم، بل أيضاً في الشوارع، على لافتات الاحتجاج، وفي بيانات النقابة، وحتى في تغريدات الغاضبين. فالصراع بين نقابة المحامين ووزارة العدل لم يعد مجرد خلاف مهني حول تنظيم المهنة، بل تحوّل إلى مسرحية قانونية طويلة، أبطالها يرتدون البذلة السوداء، لكنهم يتحدثون بلغة “السياسة” أكثر مما يتحدثون بلغة القانون.
الوزارة، من جهتها، ترى نفسها المصلح الكبير الذي جاء ليُنقذ المهنة من فوضاها، ويعيد إليها هيبتها المفقودة. أما النقابة، فتراها تدخلاً سافراً في استقلالية المحاماة، ومحاولة لترويض آخر معاقل الحرية في منظومة العدالة. وبين هذا وذاك، يقف المواطن المسكين، الذي لا يفهم سوى أن قضيته ستتأخر أكثر، لأن من يُفترض أن يدافع عنه مشغول بالدفاع عن نفسه.
الطريف أن كل طرف يتحدث باسم “العدالة”، وكأن العدالة فتاة جميلة يتنازعها عاشقان غيوران، كل واحد منهما يزعم أنه الأحق بقلبها. الوزارة تقول إنها تريد تحديث المهنة، والنقابة ترد بأنها تريد صون كرامتها. الوزارة تتحدث عن الرقمنة والتكوين، والنقابة ترد بالحديث عن الاستقلالية والكرامة. وفي النهاية، لا رقمنة تحققت، ولا كرامة استُعيدت، بل فقط مزيد من البيانات الغاضبة والمؤتمرات المليئة بالتصفيق.
المحامون، الذين اعتادوا الدفاع عن الآخرين، وجدوا أنفسهم اليوم في موقع الدفاع عن الذات. يرفعون الشعارات، يلوّحون بالبذلة السوداء كرمز للمقاومة، ويستحضرون روح التاريخ المهني العريق. أما الوزارة، فتبدو كمن قرر أن يُصلح الساعة بالمطرقة، ناسياً أن العدالة جهاز دقيق لا يحتمل الضربات العشوائية.
في خضم هذا الصراع، تضيع الأسئلة الحقيقية: هل الهدف فعلاً هو تطوير المهنة أم السيطرة عليها؟ هل الإصلاح المقترح يهدف إلى خدمة المتقاضين أم إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل العدالة؟ وهل يمكن الحديث عن استقلالية المحاماة في ظل علاقة ملتبسة بين من يشرّع ومن يُحاكم ومن يُدافع؟
الواقع أن ما يجري ليس مجرد خلاف قانوني، بل صراع رمزي على من يملك سلطة تعريف العدالة نفسها. فكل طرف يريد أن يكون هو “الوصي الشرعي” على المهنة، ناسياً أن العدالة لا تُختزل في نص قانوني ولا في بيان نقابي، بل في الثقة التي يشعر بها المواطن حين يدخل المحكمة.
ربما آن الأوان لأن يدرك الطرفان أن العدالة ليست ميداناً لتصفية الحسابات، وأن البذلة السوداء لا تُلبس فقط في قاعات المحاكم، بل أيضاً في لحظات الحكمة. فالقانون، مهما كان متيناً، يفقد معناه حين يتحول إلى سلاح في معركة نفوذ.
وفي النهاية، سيبقى السؤال معلقاً فوق منصة التاريخ: من الذي سيدافع عن العدالة حين يتخاصم المدافعون عنها؟



