
بقلم: محمد زيدان خفاجي
بينما نراقب اليوم -في مارس 2026- تصاعد أعمدة الدخان من المنشآت الحيوية واحيانا غير الحيوية في المنطقة، لا يمكننا قراءة المشهد بمعزل عن “الغطرسة” التي عادت لتقود السياسة الخارجية الأمريكية مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. نحن لسنا أمام “اشتباك عابر” او تهديد عرضي، بل أمام خرق فاضح لكل مواثيق القانون الدولي، واهمها (ميثاق الأمم المتحدة، الفصل الأول، المادة 2 (4)). حيث اختارت إدارة ترامب، ومعها الكيان الصهيوني، تجاوز كل الخطوط الحمراء والاعتداء المباشر على سيادة دولة ايران، واضعين المنطقة بأكملها على فوهة بركان لا يبقي ولا يذر.
واشنطن وتل أبيب.. منطق “البلطجة” الدولية
لا يخفي علي احد ان ما نشهده اليوم من غارات تستهدف العمق الإيراني ومنشآته ليس “عملاً دفاعياً” كما يروج إعلام البيت الأبيض، بل هو اعتداء مكتمل الأركان يعيد للأذهان سياسة “الضغوط القصوى” في نسختها الأكثر دموية. إدارة ترامب، التي لطالما تباهت بضرب عرض الحائط بالاتفاقات الدولية، تعيد اليوم إحياء منطق “القوة فوق الحق”. حيث ان هذا التحالف الصهيو-امريكي يمارس “إرهاب دولة” منظم، محاولاً فرض إرادته بالبارود، ومتجاهلاً أن العبث باستقرار إيران هو اعتداء صارخ على مبادئ السيادة التي أقرها القانون الدولي (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314)، وتهديد مباشر لممرات التجارة العالمية.
طهران.. حق الدفاع عن النفس
وفي المقابل، وبقراءة قانونية موضوعية، نجد أن ما تقوم به إيران اليوم يندرج تحت بند “حق الدفاع عن النفس”. فالدولة التي تتعرض لهجوم غادر ومستمر على منشآتها وسيادتها، لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي وفقاً للأعراف الدولية. إن ردود الفعل الإيرانية تأتي كـ “صد للعدوان” (ميثاق الأمم المتحدة، الفصل السابع، المادة 51) ومحاولة لخلق توازن ردع يمنع المحتل الصهيوني من استباحة المنطقة. حيث ان إيران تمارس حقاً سيادياً أصيلاً كفلته الشرعية الدولية لحماية أراضيها أمام آلة حرب استعمارية لا تعترف بالحدود وادارة امريكية إرهابية.
روسيا والصين.. في وجه “امريكا”
هذا العدوان الأمريكي-الصهيوني وضع القوى العظمى الأخرى في خندق الدفاع عن “النظام العالمي متعدد الأقطاب”. حيث ان موسكو، التي ترى في تحركات البيت الابيض تهديداً للأمن الجماعي، وبكين التي تخشى على استقرار شرايين الطاقة، تجدان أنفسهما اليوم مضطرتين للوقوف في وجه هذه العربدة الأمريكية. الموقف الروسي الصيني وهما حليفان استراتيجيان لإيران ليس مجرد “دعم سياسي”، بل هو تمسك بالشرعية الدولية في وجه “الأحادية القطبية” التي تريد تحويل الخليج إلى ساحة تجارب لأسلحة ترامب وطموحاته الانتخابية.
واخيرا.. : من يدفع الثمن؟
إن تدويل الصراع وتحويل الشرق الأوسط إلى طاولة لتصفية الحسابات بين ترامب وخصومه هو جريمة بحق شعوبنا. إن الاستمرار في “شيطنة” من يدافع عن نفسه، وتلميع صورة المعتدي، هو قلب للحقائق. وانه على المجتمع الدولي أن يدرك أن الصمت على اعتداءات واشنطن وتل أبيب هو تصريح سريع بوفاة “القانون الدولي”؛ فإذا سقطت سيادة الدول تحت أقدام المصالح الانتخابية في واشنطن، فلن ينجو أحد من الحريق القادم. (اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969)).



