تويشية دكدوكية..الجذور لا تصفق

بقلم: القبطان عبدالله دكدوك
ذات صيفٍ ربيعيٍّ مربك، حين اختلطت الفصول كما تختلط النوايا في صدور البشر، أمطرت السماء حباتٍ لم تكن ماءً خالصًا، بل أملًا نقيًّا، تسلّل إلى الشقوق اليابسة، فألبس الأرض زينتها بعد عريٍ طويل.
غير أن المدينة… لم تُنصت.
لم يكن لها صوت يردّ التحية، ولا صدر يتّسع للامتنان. الغلال أينعت في الحقول البعيدة، أمّا القلوب في الأسوار العالية فبقيت حجرًا على حجر، لا تخضرّ ولا تثمر.
كانت مدينة صمّاء بكماء، إلا من مواءٍ يشبه العويل، عويلٍ متقن، يُحسن تمثيل الألم بينما يتقن أكثر سرقة الضوء. هناك، حيث تُرفع الشعارات لا القيم، وحيث تُنصب المنصّات لمن لا ظلّ لهم، كان الخداع يتناسل كالعشب الطفيلي، يلتفّ على أعناق الزرع دون أن يزرع.
في أطراف المدينة، كانت هناك ضيعة.
ضيعة لم تُبْنَ على صخب، بل على كفوفٍ متعبة، وأحلامٍ صبورة. زرعها أناس آمنوا أن الخير لا يحتاج شاهدًا، وأن البذرة إن صلحت، فلا يهمّ إن تأخّر المطر.
شبّت الأشجار باسقات، تعانق السماء دون ضجيج، وتمشي تحت ظلالها أدمغةٌ مثقلة بالحقد، تقتات من الجحود، وتحسب أن النمو سرقة، وأن العطاء سذاجة.
كانوا يتسلّقون إنسانية غيرهم كما يتسلّق اللص جدارًا ليس له، يصعدون على أكتاف من زرعوا الأمل، ثم يقفون على منصّات لا تسع أجسادهم، ولا تحتمل ثقل فراغهم. أصواتهم عالية، لكن صداها أجوف، كطبلٍ مثقوب.
يُنكرون الجميل كأنهم لم يروه، ويجحدون الفعل المحمود كأنه لم يكن، ويظنون أن محو الأثر يمحو الحقيقة.
مرّ الزمن.
والزمن، وإن تأخّر، لا يضلّ الطريق.
جفّت الحناجر التي عاشت على العويل، وسقطت المنصّات تحت وزن الزيف. أمّا الضيعة، فقد أثمرت. لم تُثمر ذهبًا ولا تصفيقًا، بل طمأنينة. أثمرت وجوهًا هادئة، وقلوبًا تعرف لماذا تعطي، ومتى تصمت.
عرف أهلها أن الخير لا يُقاس بسرعة حصاده، بل بسلامة جذوره.
وفي آخر الحكاية، حين انفضّ الجمع، وبقيت الأرض وحدها شاهدة، تبيّن للجميع—ولو متأخرين—أن من يزرع الخير لا يحصد إلا طيبًا، وإن طال الانتظار، وأن الجحود لا يبني مدينة، بل يؤجّل سقوطها فقط.
فالخير لا يضيع…
إنما ينتظر أهله.



