Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

الجزائر والحكم الذاتي وجهاً لوجه

يبدو أن الرياح الدبلوماسية لا تهب دائماً بما تشتهي بيانات وزارة الخارجية الجزائرية، فها هو وزير الخارجية أحمد عطاف يجد نفسه، فجأة وبدون سابق “تصريح ناري”، في جلسة هادئة مع مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والعالم العربي، مسعد بولس. جلسة يُفترض أنها “عادية”، لكن الغيمة الوحيدة التي خيّمت عليها – كعادتها – اسمها الصحراء المغربية.

المثير في المشهد ليس اللقاء في حد ذاته، فاللقاءات تُعقد وتُلغى، بل التسريبات الجزائرية التي خرجت بخجل يشبه خجل من يهمس بسرٍّ وهو ينظر خلفه:
النظام العسكري الجزائري أبدى موافقة مبدئية على المشاركة في لقاء تمهيدي…
نعم، موافقة!
نفس النظام الذي كان إلى الأمس القريب يقسم بالأيمان الثقيلة أن “الحكم الذاتي خط أحمر” وأن “الجزائر ليست طرفاً”… فإذا بها اليوم تتهيأ للجلوس إلى طاولة عنوانها: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وبرعاية أمريكية، ووفق قرار أممي رقم 2797.

وهنا يُطرح السؤال الساخر:
هل ضاعت البوصلة؟ أم أن الطاولة الأمريكية أوسع من أن تُقاطع؟

سنوات من الخطابات، ومجلدات من الشعارات، وحناجر بُحّت وهي تردد أن الجزائر “ليست معنية”، ثم فجأة تتحول “غير المعنية” إلى أول المتحمسين للجلوس في لقاء تمهيدي!
يبدو أن عبارة “لسنا طرفاً” كانت فقط للاستهلاك الإعلامي المحلي، أما في الكواليس فالأمر مختلف تماماً… هناك تُسحب الكراسي، وتُحضّر الملفات، وتُراجع الصياغات.

الأكثر طرافة أن كل هذا يحدث على أساس الحكم الذاتي، أي نفس المقترح الذي ظل المغرب يقدمه بثبات، بينما ظل الطرف الآخر يرفضه بثباتٍ أكبر… إلى أن دخلت واشنطن على الخط، فتحوّل الرفض المبدئي إلى “موافقة مبدئية”، وتحوّل الصراخ إلى همس دبلوماسي مهذب.

السياسة، كما نعلم، فن الممكن.
لكن السخرية هنا أن الممكن اليوم هو بالضبط ما كان “مستحيلاً” بالأمس.

أما المغرب، فيبدو كمن يشاهد هذا المشهد بابتسامة هادئة:
لا ضجيج، لا انفعال، فقط مقترح مطروح على الطاولة منذ سنوات، وقرار أممي يؤطره، وحلفاء دوليون يفتحون له الأبواب… والبقية تأتي تباعاً، حتى من كانوا يقولون: “لن نأتي”.

باختصار، لم يتغير شيء في الصحراء…
الذي تغير فقط هو نبرة الخطاب في الجزائر، من “مستحيل” إلى “مبدئي”، ومن “لن نجلس” إلى “لقاء تمهيدي”، ومن “لسنا طرفاً” إلى… طرف يجلس بهدوء تحت الأضواء الأمريكية.

وهكذا، حين يصبح الحكم الذاتي واقعاً سياسياً لا يمكن تجاوزه، حتى أكثر الرافضين له يجدون أنفسهم مضطرين لطرق بابه…
ولو كان ذلك من الخلف، وبابتسامة دبلوماسية مصطنعة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button