لحم الفقراء…

باريس ـ أحمد الميداوي
يسمونه باللسان الدارجي فكاك لوحايل، ويسمونه في مصر وبلاد الشام بسلطان الوجبات، أما الفرنسيون فقد أطلقوا عليه منذ الأزمة المالية العالمية، لحم الفقراء لكونه الغذاء الذي يحتوي على أعلى كمية من البروتينات بكلفة أقل 15 مرة من كلفة اللحوم .. إنه البيض الذي إذا تناولت منه اثنتين في الصباح وكـأنك أكلت 130 غرام من اللحوم أو الأسماك، وهو ما جعله شديد المقاومة للأزمة، غير عابئ بثقل تداعياتها على قطاعي الإنتاج والاستهلاك، ما دام فقراء فرنسا وقد تكاثر عددهم بشكل مقلق منذ الإرهاصات الأولى للأزمة، ليتجاوزوا الثمانية ملايين يعيشون بأقل من 800 أورو في الشهر، وجدوا فيه ضالتهم الغذائية بما يوفره من بروتينات وما يحتوي عليه من كالسيوم ودهنيات وهرمونات وأملاح معدنية وفوائد صحية أخرى..
ولم تشهد صناعة البيض من الانتعاش والرواج مثلما شهدته إبان الأزمة المالية الحالية، حيث باضت فرنسا في سنة 2023 وحدها ما يزيد عن 16 مليار بيضة محققة ارتفاعا إنتاجيا بنسبة 15% وأرباحا تقارب المليار أورو (أزيد من 100 مليار سنتيم)، علما أن ثمن البيضة الواحدة انتقل في غضون سنتين من 20 إلى 30 سنتيما..أما اللجنة الوطنية لإنعاش صناعة البيض التي يسعدها كثيرا أن تستمر الأزمة المالية لجني المزيد من الأرباح، فقد باضت هي الأخرى بلاغا على شكل نداء بعنوان “سنة زاهرة لمنتوج لا يبالي بالأزمة” عددت فيه فضائل هذا الغذاء وطمأنت فيه فقراء فرنسا على أن “لحمهم” لا يقل فائدة عن اللحوم والأسماك الأخرى..وقد ذيلت لندائها بهذه التوضيح :”لحم الفقراء يمنحك 200 غرام من اللحوم في الوجبة الواحدة.
وقد وجد بعض رجال الصناعة الغذائية في هذا “اللحم” بديلا تجاريا بسيط الكلفة، عالي الدخل، فشرعوا في غزو الأسواق والمطاعم المختصة في الوجبات الجاهزة والمراكز التجارية وكذا المطاعم المدرسية بجبال من مسحوقات البيض وبالمئات من الشاحنات الضخمة المحملة بأصفر البيض المستعمل لصناعة البيزا والعجائن والحلويات المختلفة فضلا عن أطنان من عجّات البيض الجاهزة (أومليت)، وقضبان “بيضية” سهلة التقطيع والاستعمال توجه للمؤسسات المختصة في مستحضرات التجميل والدهون وغسل الشعر وفي بعض المنتجات مثل المواد اللاصقة.. وكانت النتيجة أن بلع الفرنسيون 420 بيضة للفرد الواحد سنة 2023، أي بزيادة 60 بيضة للشخص مقارنة بالسنة التي قبلها.. مع ملاحظة دقيقة وهي أنه إذا كانت نسبة 80% من البيض تعرض بالأسواق الفرنسية بحوالي 20 سنتيما للبيضة الواحدة، فلأنها من إنتاج دجاج صناعي لا تنقصه الكميات اللازمة من البروتينات، ولكن يفتقر إلى النكهة والمذاق المتوفران في البيض البلدي الذي يعرض بأزيد من أربعة أضعاف ثمن البيض الصناعي.. لمليح بالثمن لمن يعشق لحم الفقراء.
ومن عادة الفرنسيين أن يأخذوا البيض المسلوق في سلال مزينة إلى الكنيسة يوم عيد الفصح كي تتم مباركته من قبل الكاهن قبل أن يتم أكله. ويرمز البيض عندهم وعند المسيحيين بصفة عامة، إلى انبعاث الحياة، فيما يربط الهنود وسكان شرق آسيا فكرة البيضة بولادة الكون، لأنهم يعتقدون أن الليل هو أول الكائنات وأنه قد تمخض مرة فولد بيضة، ومن هذه البيضة انبثقت سائر الكائنات حسب اعتقادهم.



