قيادة رئيس الحكومة وسلطة الحلول..

بقلم/ الأستاذة سليمة فراجي
تصرف رئيس الحكومة المتمثل في عقد لقاء مع المحامين واتخاذ قرار تجميد مشروع قانون المحاماة لا يعتبر تجاوزا ، اذ مورس في إطار الفصول 47-89-90 من دستور المملكة وبالتالي يعتبر مجسدا لروح الدستور
أثار قرار رئيس الحكومة، السيد عزيز أخنوش، بعقد لقاء مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب وتجميد مشروع القانون موضوع الجدل، نقاشًا حول حدود الاختصاص داخل الجهاز التنفيذي، خاصة بعد التلويح باستقالة وزير العدل لكون هذا التدخل يشكل مساسًا بصلاحيات وزير العدل.
غير أن قراءة هادئة في ضوء دستور 2011 تكشف أن الأمر يدخل في صميم القيادة الدستورية لرئيس الحكومة، لا خارجها. فبالنسبة للشرعية والقيادة ينص الفصل 47 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
وهذه المقتضيات تؤسس لشرعية سياسية مباشرة لرئيس الحكومة، تجعله قائد الأغلبية والمسؤول الأول عن تنفيذ البرنامج الحكومي.
علما انًهذه الشرعية ليست شكلية، بل تؤطر وظيفة قيادية حقيقية داخل الجهاز التنفيذي.
من جهة اخرى ينص الفصل 89 على أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي، وضمان تنفيذ القوانين، وتدبير المرافق العمومية.
هذا النص واضح في إقرار أن عمل الحكومة يتم “تحت سلطة رئيسها”، وهو ما يمنحه وظيفة توجيهية وتحكيمية، تتجاوز مجرد التنسيق الإداري بين القطاعات.
لذلك حين يحدث انسداد أو تعثر في قطاع معين، وتترتب عنه آثار وطنية تمس مصالح المواطنين أو صورة البلاد، فإن تدخل رئيس الحكومة يصبح امتدادًا لوظيفته الدستورية في ضمان الانسجام الحكومي
و ينص الفصل 90 على أن رئيس الحكومة يمارس السلطة التنظيمية، وله أن يفوض بعض سلطه للوزراء.
بمفهوم المخالفة ان الأصل في السلطة التنظيمية هو رئيس الحكومة، والتفويض استثناء.
وعليه، فإن تدخل رئيس الحكومة في ملف تشريعي أو تنظيمي لا يشكل سحبًا لاختصاص، بل ممارسة لصلاحية أصلية، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بأزمة حكومية ذات أثر مؤسساتي واسع.
و في الفقه الإداري والدستوري المقارن، يُعرف ما يسمى بسلطة الحلول باعتبارها آلية تُمكن سلطة عليا من التدخل عند تعثر سلطة أدنى لضمان استمرارية المرفق العام.
وقد طُبّق هذا المفهوم في أنظمة متعددة، سواء في علاقة الدولة بالجماعات الترابية، أو داخل البنية التنفيذية ذاتها، مع اختلاف في درجة تقنينه الصريح.
وتأطير تدخل رئيس الحكومة ضمن هذا المفهوم لا يعني إلغاء اختصاص وزير العدل، بل يعني ممارسة وظيفة التحكيم لضمان الانسجام واستمرارية
علما ان الدستور كرس مبدأ المسؤولية الجماعية للحكومة أمام البرلمان.
وبالتالي، فإن أي أزمة قطاعية ذات أثر وطني تتحول بالضرورة إلى مسؤولية حكومية جماعية.
أما التلويح بالاستقالة، فهو حق سياسي مشروع، لكنه لا يغير من الطبيعة الدستورية للقيادة التنفيذية، ولا يحول النقاش من إطار قانوني مؤسساتي إلى نزاع شخصي.
إن قرار تجميد المشروع وعقد الحوار لم يكن تجاوزًا للاختصاص، بل ممارسة لسلطة دستورية أصيلة، هدفها احتواء أزمة استعصت على الحل، وحماية مصالح المواطنين، وصون المكتسبات الحقوقية التي راكمها المغرب.
نستنتج انه في ظل دستور 2011، لم يعد رئيس الحكومة مجرد منسق بين وزراء، بل قائد للعمل الحكومي، ومسؤول عن ضمان انسجامه واستمراريته.
لذلك فان تصرف رئيس الحكومة المتمثل في عقد لقاء مع المحامين واتخاذ قرار تجميد مشروع قانون المحاماة لا يعتبر تجاوزا ، اذ مورس في إطار الفصول 47-89-90 من دستور المملكة وبالتالي يعتبر مجسدا لروح الدستور.



