أخبارالرئيسيةجهات المملكةفي الصميم

إقليمٌ تاونات يختنق بصمت..حين تصبح المعاناة قدَرًا يوميا

بقلم: الأستاذة أنيسة الوردي

منذ أن وعيت على هذه الحياة، وأنا أرى إقليمًا يزداد ألمًا يومًا بعد يوم. لم يتغير فيه شيء، حتى أبسط الحقوق ما زالت مؤجلة، وكأن الزمن مرّ علينا وحدنا وتجاهل تلك الأرض المنسية.

هناك دواوير محاصرة بالعزلة، ليس فقط جغرافيًا، بل تنمويًا وإنسانيًا. أناس يعيشون على هامش الاهتمام، بلا طرق معبدة، بلا مستوصفات قريبة، بلا وسائل نقل تحفظ كرامتهم. معاناة تتكرر كل صباح، وتُعاد فصولها كل مساء.

مجموعة من الدواوير كانت ولا تزال إلى اليوم تضطر إلى قطع سدٍّ كامل من أجل الوصول إلى السوق الأسبوعي. تخيلوا أن يصبح عبور المياه ضرورة معيشية، وأن تتحول المخاطرة بالحياة إلى وسيلة لقضاء حاجيات بسيطة. سنوات طويلة مرت، والمشهد ذاته يتكرر، وكأن الزمن هنا متوقف عند حدود الإهمال.

أما الأطفال، فحكايتهم وجع آخر. يقطعون مسافات تتراوح بين ستة وسبعة كيلومترات يوميًا للوصول إلى مدارسهم. طرق وعرة، برد قارس في الشتاء، وحر لافح في الصيف. بعضهم يصل مرهقًا قبل أن يبدأ يومه الدراسي، وبعضهم يستسلم مبكرًا، فينقطع عن الدراسة لأن الطريق كانت أقسى من الحلم.

الصحة أيضًا بعيدة المنال. المستوصفات إما منعدمة أو بعيدة، والمرضى يقطعون مسافات طويلة طلبًا للعلاج، وقد يتحول التأخر في الوصول إلى خطر حقيقي على حياتهم. نساء حوامل، شيوخ، وأطفال… جميعهم يواجهون المصير نفسه في غياب أبسط مقومات القرب الصحي.

مرّت السنوات، ولم يتغير الواقع. بل تغير فينا نحن شيء واحد: تعبنا. تعبنا من كثرة التساؤلات، من تكرار المطالب، من انتظار وعود لا تتحقق. تعبنا من مطالبة المسؤولين بأداء أدوارهم، ومن الإيمان بأن الغد قد يحمل إنصافًا قريبًا.

إن التنمية ليست شعارًا يُرفع، ولا خطابًا يُلقى في المناسبات، بل هي طريق تُعبد، ومدرسة تُبنى، ومستشفى يُجهز، وكرامة تُصان. هؤلاء الناس لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون حقهم الطبيعي في العيش الكريم، في التعليم، في العلاج، في الأمان.

إن الإقليم الذي يئنّ بصمت اليوم، لا يحتاج إلى شفقة، بل إلى قرار. لا يحتاج إلى وعود جديدة، بل إلى أفعال واضحة تُعيد إليه الأمل.

فالأرض التي تنجب الصابرين، تستحق أن تُنصف. ويبقى السؤال المؤلم: إلى متى ستظل هذه الدواوير خارج خريطة الأولويات؟ وإلى متى سيظل أبناؤها يدفعون ثمن الإهمال وحدهم؟إنها صرخة وجع… لكنها أيضًا صرخة أمل، بأن يأتي يوم تتحول فيه المعاناة إلى ذاكرة، لا إلى واقع يُورَّث.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button