سجالات مدريد لا تغيّر الثابت.. دعم إسبانيا لمبادرة الحكم الذاتي يرسخ شراكة الرباط

تشهد الساحة السياسية في إسبانيا جدلاً متجدداً حول ملف الصحراء، غير أن هذا السجال لم ينجح في زحزحة الموقف الرسمي لمدريد الداعم لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب. ففي جلسة مساءلة برلمانية حديثة، وجّه وزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس انتقادات مباشرة إلى الحزب الشعبي، متهماً إياه بازدواجية الخطاب بشأن العلاقات مع الرباط.
وأكد ألباريس أن موقف الحكومة، بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، يستند إلى اعتبار مبادرة الحكم الذاتي أساساً “جدياً وواقعياً” لتسوية النزاع، في انسجام مع المصالح الاستراتيجية لإسبانيا ومع مسار الشراكة الثنائية الذي تعزز منذ 2022. ويأتي هذا التوضيح في سياق انقسام سياسي داخلي أعقب إعلان مدريد، في مارس من العام ذاته، دعمها الصريح للمقترح المغربي، وهو تحول وصف حينها بـ”التاريخي” في السياسة الخارجية الإسبانية.
جدل حزبي… وثابت مؤسساتي
الحزب الشعبي عارض هذا التحول، معتبراً أنه لم يحظَ بتوافق برلماني كافٍ، وطالب بإعادة مناقشة المقاربة الإسبانية بما يضمن، حسب تعبيره، “توازناً أكبر”. غير أن مراقبين يرون أن النقاش الدائر يندرج ضمن التنافس السياسي الداخلي أكثر مما يعكس تحولاً فعلياً في ثوابت الدولة.
في هذا الإطار، يعتبر عدد من الباحثين أن دعم مدريد لمبادرة الحكم الذاتي لم يعد مجرد خيار حكومي ظرفي، بل توجهاً مؤسساتياً يرتبط بتقدير المصالح العليا لإسبانيا، سواء في بعدها الاقتصادي أو الأمني أو الجيوسياسي. فالمغرب يُعد شريكاً تجارياً رئيسياً لمدريد خارج الاتحاد الأوروبي، كما يشكل التعاون الأمني والهجرة ومكافحة الإرهاب ركائز أساسية في العلاقات الثنائية.
الشراكة الاستراتيجية فوق الحسابات الضيقة
ويرى محللون أن المناكفات الحزبية، سواء من اليمين أو اليسار، تبقى محدودة التأثير أمام واقع الشراكة العميقة بين البلدين الجارين. فالتقارب الذي تُوّج بخارطة الطريق الموقعة في أبريل 2022 أعاد هيكلة العلاقات الثنائية على أسس أوضح، قائمة على الثقة والتنسيق المتبادل في الملفات الحساسة.
كما أن التحولات التي شهدها الموقف الإسباني انعكست في تحركات دبلوماسية داخل الفضاء الأوروبي ومناطق النفوذ التقليدية لمدريد، بما يعزز الرؤية الداعمة للحل السياسي في إطار السيادة المغربية. ويرى متابعون أن استمرار هذا النهج من شأنه أن يدفع قوى سياسية أخرى إلى مراجعة مواقفها مستقبلاً، انسجاماً مع موازين المصالح الواقعية.
بين الداخل والخارج
في المحصلة، يبدو أن السجال البرلماني يعكس حيوية المشهد السياسي الإسباني أكثر مما يعبر عن تراجع في التوجه الدبلوماسي الرسمي. فالدعم لمبادرة الحكم الذاتي بات جزءاً من مقاربة أوسع تعكس إدراك مدريد لأهمية استقرار جوارها الجنوبي، ولحجم الترابط الاقتصادي والأمني مع الرباط.
وعليه، فإن الضجيج السياسي تحت قبة البرلمان لا يغيّر، في جوهره، ثبات الموقف الإسباني الداعم لمغربية الصحراء، بقدر ما يؤكد أن العلاقات المغربية الإسبانية تجاوزت منطق الظرفية إلى أفق الشراكة الاستراتيجية المستدامة.



