أخبارالرئيسيةكلام والسلام

رمضان يعيد الزمن إلى رشده

ها قد عاد المغرب إلى ساعته العادية، وعاد معه الإحساس بأن الكون استعاد توازنه بعد أشهر من “الاضطراب الزمني” الذي تفرضه الساعة الإضافية كل عام ليكسره زمن رمضان المبارك. نعم، تلك الساعة التي كانت تُقدَّم إلينا كل عام كما تُقدَّم وصفة دواء مرٍّ، مع وعدٍ غامض بأنها “لصالح الاقتصاد الوطني” و“لتحسين النجاعة الطاقية”، بينما كان المواطن البسيط يتساءل في صمت: “وأين النجاعة في أن أستيقظ وأنا لا أزال في منتصف الليل؟”. أين النجاعة، وقد فرضت الساعة الإضافية أن أستهلك الكهرباء رغما عني كل فجر، مغادرا البيت نحو العمل، وعند كل مساء وقد أسدل الليل ستاره قبل زمنه الطبيعي. أين النجاعة إذن يا حكومة بلادي؟.

الآن، بعد أن عاد عقرب الساعة إلى مكانه الطبيعي، تنفّس المغاربة الصعداء. فجأة، أصبح الصباح صباحاً حقيقياً، والشمس تشرق في وقتها، و”القهوة” تُشرب في ضوء النهار لا في ظلمة الفجر. الأطفال يذهبون إلى مدارسهم دون أن يبدوا كأبطال فيلم رعب خرجوا من تحت “البطانية”، والموظفون يصلون إلى مكاتبهم دون أن يشعروا بأنهم ارتكبوا جريمة في حق نومهم.

الساعة العادية ليست مجرد تعديل في التوقيت، بل علاج نفسي جماعي. إنها لحظة تصالح بين الإنسان والزمن، بين الجسد وساعته البيولوجية. فكم من مغربي عاش في صراع داخلي بين ساعته الحائطية وساعته الجسدية! وكم من منبّه رُمي من النافذة لأنه أصرّ على إيقاظ صاحبه في “الساعة الإضافية” التي لا يعترف بها الدماغ ولا القلب!

لقد أثبتت التجربة، أن الساعة الإضافية كانت تجربة فلسفية فاشلة، أرادت أن تُقنعنا بأننا نستطيع خداع الزمن، لكن الزمن ضحك في وجهنا. فالمغربي، بطبيعته، لا يحب أن يُضاف إلى يومه شيء لا طائل منه. يكفيه ما فيه من ازدحام، وغلاء، وضغوط، ومواعيد لا تُحترم. ثم تأتي الساعة الإضافية لتزيد الطين بلّة، وتجعلنا نعيش في “زمن زائد” لا نعرف كيف نصرفه ولا نعرف من طلبه أصلاً.

العودة إلى الساعة العادية هي عودة إلى الفطرة الزمنية. إنها لحظة استعادة الإيقاع الطبيعي للحياة، حيث يستيقظ الناس مع ضوء الصباح، وينامون حين يهدأ الليل، لا حين يقرر مرسوم حكومي أن الليل ما زال نهاراً.

ربما لن تُصلح هذه العودة كل شيء، لكنها على الأقل أعادت للمغاربة إحساسهم بالوقت الحقيقي، وأعادت للساعة معناها الإنساني البسيط؛ أن تكون وسيلة لتنظيم الحياة، لا أداة لتعذيبها.

فشكراً لرمضان الكريم الذي تكرم فقرر أن يعيد عقارب الزمن إلى مكانها. وشكرا للدولة إذا ما فكرت في راحة المغاربة بإقرارها بالبقاء على هذا الزمن الطبيعي الجميل والهادئ على مر السنين المقبلة، اعترافا منها بأن المغرب هو من يضبط إيقاع زمنه لا الغير.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button