
بقلم: الدكتور سدي علي ماء العينين
- تشخيص الواقع وانحباس الأفق المعيشي
بات التفكير في الهجرة، سواء تحت غطاء الدراسة أو عبر قوارب الهجرة الجماعية، هو السمة الغالبة للتوجه نحو دولٍ أصيبت بالشيخوخة وتحتاج لعنصر بشري لا يجد فرصته في وطنه. وفي المقابل، فقد أرباب الأسر — الذين بنوا مواردهم على منظومة اقتصاد الدولة — بوصلة حماية أسرهم؛ وذلك بسبب هزالة الأجور، وارتفاع الأسعار، وفساد قطاعات الصحة والعدالة والصفقات العمومية، فضلاً عن تراجع جودة المنتوجات الاستهلاكية والسكن اللائق. كل شيء يبدو مرتبكاً، وأزمة متفاقمة عند فئة واسعة من الشعب، مقابل أرباح فلكية في جيوب “تجار الأزمة”.
يعود المغرب اليوم إلى مناخ يشبه زمن برنامج التقويم الهيكلي لسنة 1983، حين فشل في تسديد ديونه لصندوق النقد الدولي، مما اضطر المؤسسة الدولية لتقديم برنامج إصلاحي لبنيات الاقتصاد المغربي. لكن المفارقة اليوم، وبعد أربعين سنة، أن المغرب لا يواجه صندوق النقد الدولي، بل هو ضحية توجه عالمي عنوانه “الفوضى الخلاقة”؛ تلك التي تجعل من إبداء الموقف تجاه القضايا العادلة للدول التي لم تستكمل وحدتها الترابية “تجارة مربحة” قائمة على المساومة والابتزاز.
ومهما أبان المغرب عن حكمة في مواجهة هذا التوجه، إلا أنه يجد نفسه مضطراً لتقديم تنازلات وبناء تحالفات قد تكون أكثر وضوحاً مما سبق، لكنها في الوقت نفسه أكثر كلفة، كعقد صفقات تسلح بأرقام فلكية كان المجتمع في أمس الحاجة إليها. لقد أدرك المغرب مفاتيح المستقبل عبر التركيز على مشاريع عملاقة قادرة على منحه، في العشرين سنة المقبلة، موقعاً بين الاقتصادات الكبرى. هي قرارات وإجراءات بميزانيات ضخمة ترهن الحاضر لتبني المستقبل، وتستنزف مداخيل اليوم لضمان مداخيل أكبر غداً، بل إنها تقبر طموحات مواطن اليوم لكي يستطيع مواطن الغد أن يعيش.
وبنفس المنطق، غرقت الأسر في التكاليف الباهظة لدراسة الأبناء وتوفير السكن، ورهن مداخيلها الهزيلة أصلاً للبنوك عبر القروض لضمان مستقبل أبنائها. فبينما واكبت أجيال الحسن الثاني عهد محمد السادس بإيمان راسخ بأن استمرارية الدولة أهم من كل ما ينخرها — إيماناً بأن الأهم هو “وجود الدولة” قياساً بشعوب الربيع العربي التي لا تزال تتخبط — نجد أن جيل مواليد عهد محمد السادس كان له مسار مختلف.
فهل تعتبرون؟
- مآلات الأجيال الصاعدة وخارطة طريق الإصلاح
كان هذا الجيل محظوظاً بملك اتجه منذ البدايات لتجنب المطبات التي ورثها عن والده، لكنه لم يكن محظوظاً لأن بداية الحكم رافقتها هزات من مناهضي العهد الجديد؛ بدأت بافتعال أحداث “كديم ازيك” وعلاقتها بالوحدة الترابية، ثم أحداث 16 ماي الدامية، والعملية الإرهابية بمراكش، وصولاً إلى حراك الريف وجرادة. ثم جاءت الأزمات الدولية: من الربيع العربي إلى كورونا، وصولاً إلى حرب روسيا وأوكرانيا. نتج عن ذلك استمرار نفس الاختلالات في التعليم والصحة والعدالة والبطالة.
ويبدو أن هذا الجيل سيكون “الخطر القادم”، لأن الشباب فقدوا حس الانتماء ويعيشون عوالمهم الخاصة خارج مخططات الدولة.
فمن اختار منهم عبور المحيط وجد ضالته بدل الانتظار في قاعة “لعل الدولة تدرك وجودهم”، أما من أصيب منهم بأعطاب المجتمع وبقي بيننا، فقد يتحول إلى قنبلة تهدد المجتمع والدولة.
لا يمكن حل وضع بهذا التعقيد بنظام المساعدات أو “الصدقات”، ولا بتغيير الحكومات، ولا بالاستكانة لمعتقد أن “الشعب صابر”، خاصة بعد قص أجنحة الأحزاب والنقابات وإغراق المجتمع بالجمعيات والتفاهة والمهرجانات.
إن الحل يكمن في الاقتداء بتجارب عالمية انطلقت بإرادة شعوبها وتبصر حكامها كالصين.
المغرب يملك كل مقومات الإقلاع، لكننا نحتاج بجرأة لإعادة ترتيب الأولويات وتحديد الأسئلة الصحيحة.
فسؤال “أين الثروة؟” الذي أطلقه ملك البلاد، يشبه السؤال المحوري في رواية غسان كنفاني: “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟”.
وربما نحتاج أولاً لتعديل السؤال: ما هي الثروة في المغرب؟
ثم نسأل بعدها: أين هي؟
في اعتقادي المتواضع، ثروة المغرب تكمن في ثلاثة مقومات:
ملكية عريقة تحتاج إلى نفس جديد وتنويع الأسر المشكلة لجوهر الإدارة، وشعب متنوع وطموح يملك مؤهلات فطرية تجعله قادراً على البناء، ومؤهلات طبيعية كانت دوماً مطمعاً للأجانب،
لكن المغرب اليوم يرفض أن تكون الأطماع “داخلية” من طرف تجار الأزمات الذين يضخمون أرصدتهم وينشرون الإفلاس في المجتمع.
إن هذه المقومات إذا كانت في صلب سياسة الدولة، استطعنا تجاوز الأزمات. فحينما لا خوف من الانهيار بوجود ملكية عريقة، وبينما جفاف الطبيعة أمر مؤقت تعايش معه المغاربة،
يبقى الخطر الحقيقي في “المؤهلات البشرية”. فاعتماد سياسات خاطئة تضرب قيم المجتمع وقدراته سيخلق أجيالاً فاقدة للانتماء،
وإفلاس الفرد والجماعة هو بكل تأكيد خطر على استقرار الدولة ومستقبل أجيالها. فلنعد ترتيب الأوراق قبل فوات الأوان…
فهل تعتبرون؟



