أخبارالرئيسيةثقافة و فن

بين عبث اليومي وسريالية القدر..تأملات في زمن الحروب

بقلم: القبطان.عبدالله دكدوك-

نستيقظ كل يوم ونحن نحمل شعورًا غامضًا بأن العالم انزاح قليلًا عن مكانه الطبيعي، وكأن الواقع لم يعد صلبًا كما عهدناه، بل صار هشًا، قابلًا للتشقق عند أول صدمة. نفتح أعيننا على أخبار الحرب في غزة سوريا لبنان ايران اليمن… والحرب الروسية الأوكرانية، فنشعر أن ما يحدث ليس بعيدًا عنا كما نريد أن نصدق، بل يمتد إلينا بشكل خفي، يتسلل إلى وعينا، إلى لغتنا، إلى تفاصيل يومنا العادي.

نحاول أن نعيش بشكل طبيعي: نعمل، نخطط، نضحك أحيانًا، لكن خلف كل ذلك يقف سؤال ثقيل لا يغادرنا: كيف يستمر العالم وكأن شيئًا لم يكن؟ كيف تتجاور الحياة والموت بهذا الشكل الفج، دون أن ينهار كل شيء؟.

نشعر أننا نعيش ما أشار إليه ألبير كامو بالعبث؛ ليس فقط كفكرة فلسفية، بل كتجربة يومية. نبحث عن معنى يربط بين هذه الأحداث، عن تفسير يهدئ هذا التوتر الداخلي، لكننا نصطدم بصمت قاسٍ. لا إجابات كافية، لا عدالة واضحة، فقط تكرار مرهق للمأساة.

وفي خضم هذا كله، يتسلل إلينا إحساس سريالي عميق. كأن الواقع فقد منطقه الداخلي، وكأننا نعيش داخل مشهد من أعمال سلفادور دالي، حيث الزمن لا يسير كما ينبغي، وحيث يمكن للحظة واحدة أن تقلب كل شيء. نشاهد مشاهد الدمار، ثم ننتقل فجأة إلى تفاصيل يومية عادية، فنشعر بانفصال غريب: هل هذه كلها تنتمي إلى العالم نفسه؟.

هذا التداخل بين العادي والكارثي يربك وعينا. لم نعد قادرين على الفصل بين ما يجب أن نشعر به وما نشعر به فعليًا. أحيانًا يغمرنا الحزن، وأحيانًا أخرى نفاجأ ببرودنا. نخاف من هذا التبلد، وكأنه خيانة غير مقصودة لإنسانيتنا، لكنه في الوقت نفسه يبدو كآلية دفاع تحمينا من الانهيار.

نحاول أن نتمسك بفكرة أن ما يحدث ليس بلا معنى، أن هناك حكمة ما—even إن عجزنا عن إدراكها. نستدعي مفاهيم القدر والابتلاء، نحاول أن نرى في الألم اختبارًا، وفي الصبر موقفًا. لكننا لا ننكر أن هذا التماسك يتصدع أحيانًا، خاصة عندما يصبح الألم أكبر من التأويل، وأقسى من أن يُحتمل.

نفسيًا، نحن في حالة شدّ دائم. بين الرغبة في المتابعة والفهم، والرغبة في الانسحاب والنجاة بأنفسنا. نغرق في الأخبار، ثم نهرب منها. نقترب، ثم نبتعد. نحاول أن نوازن بين أن نبقى واعين، وأن نبقى سالمين من الداخل.

ومع ذلك، وسط هذا العبث كله، نلاحظ شيئًا صغيرًا لكنه مهم: أننا ما زلنا نحاول. ما زلنا نبحث عن معنى، ما زلنا نتألم، ما زلنا نرفض أن يصبح هذا الألم أمرًا عاديًا. وربما في هذا الرفض تحديدًا يكمن آخر ما تبقى لنا من إنسانيتنا.

نحن لا نملك تفسيرًا كاملًا، ولا نمتلك يقينًا مطمئنًا، لكننا نمتلك هذا الإصرار الخافت على ألا نفقد أنفسنا. أن نستمر، لا لأن العالم واضح أو عادل، بل لأننا نرفض أن نختزل إلى مجرد متفرجين على عبث لا ينتهي.

ربما لن نفهم كل شيء، وربما لن يتوقف هذا الشعور باللايقين قريبًا، لكننا نستطيع—على الأقل—أن نختار كيف نكون وسط هذا كله: أن نبقى يقظين، حسّاسين، وإنسانيين… حتى في عالم يبدو أحيانًا بلا معنى.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button