
بقلم: عبدالحق الريكي
كتب آدم بوبل هذا المقال بالفرنسية ونقدّمه اليوم للقارئ العربي مترجمًا إلى اللغة العربية للمرة الأولى.
لم تعد الديمقراطية التمثيلية سوى هيكل مُنهك، تتآكل شرعيته يومًا بعد يوم، فيما تحولت الانتخابات إلى طقس بارد فاقد للروح. لكن قرار المحكمة العليا الأمريكية الصادر في 24 يونيو 2022 أعاد تذكير الجميع بحقيقة قاسية: الامتناع عن التصويت ليس حيادًا، بل تفويضٌ غير مباشر للقوى الرجعية لتعيد تشكيل مصير المجتمعات.
قضاة المحكمة العليا لا يُنتخبون، لكنهم يُفرضون على الشعوب مدى الحياة، بتعيين رئاسي. وهكذا، يصبح صوت الناخب، بشكل غير مباشر، أداة لصياغة ميزان القوى داخل أخطر مؤسسة قضائية في البلاد. إنها ديمقراطية ملتوية، تُخفي خلف واجهتها الانتخابية سلطة محافظة قادرة على مصادرة الحقوق لعقود.
وقد استغل دونالد ترامب هذا الخلل البنيوي إلى أقصى حد، حين عيّن ثلاثة قضاة من أصل تسعة، مستفيدًا مما يُسمى “الصدفة”، أي موت قضاة سابقين. وكان تتويج هذا المسار بتعيين إيمي كوني باريت، المحافظة المتشددة والمعادية صراحةً لحق النساء في الإجهاض، خلفًا لروث بادر غينسبورغ، أيقونة النضال الحقوقي. لم يكن ذلك مجرد تعيين، بل كان انقلابًا إيديولوجيًا مكتمل الأركان.
في عام 1973، أقرت المحكمة العليا في حكم “رو ضد وايد” بأن جسد المرأة ليس ساحة للوصاية، وأن قرارها بشأن الحمل يدخل في صميم حقها في الخصوصية. كان ذلك انتصارًا تاريخيًا للحرية الفردية. لكن ما تحقق بالنضال، يمكن أن يُسلب بقرار سياسي مغطى بعباءة قضائية.
اليوم، تعود المحكمة نفسها لتنقض هذا المكسب. قرار لا يجرّم الإجهاض بشكل مباشر، لكنه يسحب الحماية الفيدرالية عنه، ويتركه فريسة لسلطات الولايات، أي لميزان القوى المحلي، حيث تسود في كثير من الأحيان قوى محافظة لا تخفي عداءها لحقوق النساء. إنه تواطؤ صريح مع الردة الحقوقية.
النتائج كانت فورية: سبع ولايات سارعت إلى حظر الإجهاض، و26 أخرى تستعد للسير على نفس النهج. نحن أمام خريطة أمريكية تنقسم بين حقوق تُحترم وأخرى تُدفن، بحسب الجغرافيا السياسية، لا بحسب مبادئ العدالة.
هذا القرار، الذي يضرب عرض الحائط إرادة نحو 70% من الأمريكيين، فجّر موجة غضب عالمية. لأنه ببساطة، ليس مجرد حكم قضائي، بل إعلان حرب على النساء.
في فرنسا، حيث تعيش السلطة على وقع أزمة سياسية بعد فقدان الأغلبية المطلقة، سارع النظام إلى إعادة التموضع، معلنًا دعمه لإدراج الحق في الإجهاض ضمن الدستور. خطوة يجب دعمها، لكن دون السقوط في السذاجة: إنها أيضًا مناورة سياسية لاحتواء اليسار وضمان تمرير السياسات في برلمان منقسم.
أما في المغرب، فالمعركة أكثر تعقيدًا. الحق في الإجهاض لا يزال رهينة قوى محافظة تسعى إلى التحكم في أجساد النساء، وفرض وصاية أخلاقية عليهن. خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية، حاولت قوى تقدمية، وعلى رأسها الاتحاد الاشتراكي، كسر هذا الجمود، مدافعة عن حقوق النساء رغم الضغوط.
اليوم، ورغم وجود مبادرات تشريعية، مثل مقترح حزب التقدم والاشتراكية، لا يزال التردد سيد الموقف، بل وتُطرح نصوص تحمل في طياتها تناقضات خطيرة، خصوصًا فيما يتعلق بإجهاض القاصرات.
كيف يمكن لقانون يسمح بزواج القاصرات أن ينكر عليهن حق التصرف في أجسادهن؟ كيف يُعتبرن مؤهلات لتحمل مسؤوليات الزواج، لكن عاجزات قانونيًا عن اتخاذ أبسط القرارات؟ بين 2015 و2019، تم تزويج أكثر من 80 ألف قاصر، في مشهد يكشف نفاقًا قانونيًا صارخًا.
والأخطر، فرض وصاية الأسرة حتى في حالات الإجهاض الناتج عن الاغتصاب. أي منطق هذا؟ وأي عدالة هذه التي تعاقب الضحية مرتين؟
لقد آن الأوان لكسر جدار الصمت. لم يعد الحديث عن الإجهاض ترفًا فكريًا، بل ضرورة إنسانية عاجلة. نساء يمتن كل يوم بسبب الإجهاض السري، وأخريات يُدفعن إلى الهامش، حيث الألم والخوف والعزلة.
أما أولئك الذين يتشدقون بالدفاع عن “الحياة”، فعليهم أن يواجهوا الحقيقة: الدفاع عن الجنين لا يمكن أن يكون على حساب حياة المرأة. فكل تسع دقائق، تموت امرأة بسبب إجهاض غير آمن. تلك هي الكلفة الحقيقية لنفاقهم.
المعركة اليوم ليست قانونية فقط، بل سياسية وأخلاقية. إنها معركة من أجل الحرية، من أجل الكرامة، ومن أجل حق النساء في امتلاك أجسادهن دون وصاية.



