مالي ترمي بالبوليساريو.. في مزبلة التاريخ

لم يكن إعلان جمهورية مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” حدثاً عادياً في المشهد الإفريقي، بل محطة مفصلية في مسار طويل من التحولات التي تعرفها القارة بشأن قضية الصحراء المغربية. فقرار باماكو لا يضيف رقماً جديداً إلى قائمة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي فحسب، بل يضيف معنى سياسياً واستراتيجياً عميقاً، يعكس تحوّلاً في الوعي الإفريقي تجاه عدالة الموقف المغربي ومصداقية مقاربته. لقد قالت مالي كلمتها، و ستتبعها دول أخرى قريباً، مثل موريتانيا وليبيا، لأن منطق التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة يسير في اتجاه واحد: الاعتراف بمغربية الصحراء ودعم الحل الواقعي الذي يقترحه المغرب.
تأتي أهمية الموقف المالي من كون هذا البلد ليس طرفاً هامشياً في معادلة القارة، بل دولة ذات وزن جيوسياسي معتبر في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، ومركز توازن إقليمي في محيط مضطرب.
فمنذ عقود، ظلت مالي تتحرك داخل توازنات دقيقة، متأثرة بالضغوط الإقليمية والعلاقات التاريخية مع الجزائر، ما جعل موقفها من قضية الصحراء يتسم بالتحفظ والالتباس. غير أن إعلانها الصريح سحب الاعتراف بالكيان الانفصالي ودعم مبادرة الحكم الذاتي يمثل خروجاً من دائرة الغموض إلى وضوح الموقف، ومن الحياد السلبي إلى الانخراط الإيجابي في دعم الحل الواقعي.
هذا التحول لا يمكن قراءته إلا في ضوء النجاح الدبلوماسي المغربي المتراكم، الذي استطاع، عبر رؤية هادئة واستراتيجية بعيدة المدى، أن يعيد بناء علاقاته الإفريقية على أسس التعاون الاقتصادي، والتضامن التنموي، والاحترام المتبادل، بعيداً عن منطق الاصطفاف الإيديولوجي الذي طبع مرحلة الحرب الباردة.
ويأتي قرار مالي امتداداً لسلسلة من المواقف الإفريقية المتتالية التي أعادت رسم خريطة الاعترافات داخل القارة. فقبل باماكو، كانت أنغولا وكينيا قد سحبتا اعترافهما بالكيان الوهمي، وهما من أبرز الدول التي كانت تدعم أطروحة الانفصال لعقود.
اليوم، لم يتبقَّ سوى ست دول فقط ما تزال متمسكة بموقفها الداعم للبوليساريو، في حين أن أربع دول أخرى توجد في طور مراجعة مواقفها، وهو ما يعكس تراجعاً غير مسبوق في قاعدة الدعم الإفريقي للانفصاليين.
هذا التحول النوعي لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة سياسة إفريقية متجددة يقودها جلالة الملك محمد السادس، تقوم على الحضور الميداني، والاستثمار في التنمية المشتركة، وبناء الثقة مع الشعوب الإفريقية. فالمغرب اليوم لا يخاطب القارة من موقع الوعظ السياسي، بل من موقع الشراكة الفعلية، وهو ما جعل العديد من الدول ترى في مبادرة الحكم الذاتي حلاً واقعياً وذا مصداقية، يضمن الاستقرار ويخدم مصالح المنطقة بأكملها.
وبالعودة إلى العلاقات المغربية–المالية التي تمتد جذورها إلى التاريخ الطويل المشترك بين البلدين، سواء على المستوى الديني أو الثقافي أو الاقتصادي. وقد تعزز هذا التقارب في السنوات الأخيرة من خلال فتح قنصلية مالية بمدينة العيون سنة 2021، في خطوة رمزية أكدت آنذاك دعم باماكو للوحدة الترابية للمملكة.
لكن إعلان سحب الاعتراف بالكيان الانفصالي يمثل اليوم ترجمة سياسية واضحة لذلك الموقف الدبلوماسي، ويؤشر على مرحلة جديدة من التعاون القائم على الثقة والتفاهم الاستراتيجي.
قرار مالي لا ينعزل عن السياق العام الذي تعرفه القارة، حيث تتجه العديد من الدول إلى إعادة تقييم مواقفها من قضية الصحراء المغربية في ضوء التحولات الجيوسياسية الراهنة. فإفريقيا اليوم لم تعد أسيرة الخطابات الإيديولوجية القديمة، بل أصبحت تبحث عن الاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي، وهي القيم التي يجسدها النموذج المغربي في تعامله مع محيطه الإفريقي.
كما أن هذا القرار يضع الجزائر والبوليساريو في عزلة سحيقة إقليميا ودوليا، بعدما فقدتا أحد أبرز الحلفاء التقليديين في غرب القارة الأفريقية، ويؤكد القرار ذاته، أن خطاب الانفصال لم يعد يجد صدى في إفريقيا الجديدة التي تتطلع إلى المستقبل.
إن سحب مالي اعترافها بالكيان الوهمي ليس مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل تحول استراتيجي يعكس نضج الوعي الإفريقي بعدالة القضية المغربية. فالمغرب، الذي اختار طريق البناء والتعاون بدل الصراع، يربح اليوم في العمق الإفريقي، ويؤكد أن مبادرة الحكم الذاتي ليست فقط حلاً للنزاع، بل مشروع سلام وتنمية ينسجم مع تطلعات القارة نحو الاستقرار والوحدة.



