أخبارالرئيسيةفي الصميم

لجان التزكية بين وهم الشفافية وإعادة إنتاج نفس النخب

✍️*زهير أصدور

الاعتماد على لجنة للتزكية، أو لجنة للترشيحات، أو أي تسمية تنظيمية أخرى داخل الأحزاب، لا يمكن اعتباره في حد ذاته ضمانة كافية للشفافية والنزاهة في اختيار وكلاء اللوائح للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وخاصة على مستوى اللوائح الجهوية. فالإشكال هنا لا يرتبط بالشكل التنظيمي، بل بالمنطق السياسي الذي يحكم عملية الاختيار برمتها.

والأمر، في هذا السياق، لا يستهدف حزبا بعينه ولا يستثني أي تنظيم سياسي، بل يعكس إشكالا بنيويا يمس الحياة الحزبية في مجملها، مع اختلاف في الدرجة لا في النوع. إذ تتكرر، في تجارب متعددة، نفس الاختلالات: غلبة منطق التوازنات الداخلية على حساب منطق الاستحقاق، وإعادة إنتاج نفس النخب، وضعف آليات تقييم الأداء السياسي والتشريعي للفاعلين.

إن لجنة التزكية، مهما كانت تسميتها أو تركيبتها، تظل أداة إجرائية، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى ضمانة للديمقراطية الداخلية. فالقيمة الحقيقية لأي مسار انتقائي داخل الأحزاب لا تقاس بوجود اللجنة، بل بطبيعة المعايير التي تعتمدها، ومدى وضوحها، ودرجة إلزاميتها، ثم بمدى خضوع قراراتها للتبرير والتفسير أمام المناضلين والرأي العام.

وفي كثير من الحالات، تتحول هذه اللجان إلى آليات تقنية لتثبيت اختيارات تم التوافق عليها مسبقا داخل دوائر ضيقة، وهو ما يفرغ مفهوم التنافس الداخلي من مضمونه، ويحول المسطرة إلى مجرد إجراء شكلي يمنح شرعية إدارية لقرارات سياسية جاهزة. وهنا يتراجع جوهر الديمقراطية الداخلية لصالح منطق التدبير المغلق.

إن اللوائح الجهوية، بحكم طبيعتها التمثيلية، ليست مجالا لتقاسم المواقع أو إعادة توزيع النفوذ الداخلي، بل يفترض أن تكون فضاء حقيقيا لتجديد النخب، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات الجديدة، وإبراز النساء والشباب والأطر القادرة على الإسهام الفعلي في التشريع والرقابة وصناعة القرار العمومي. غير أن هذا الهدف يظل في كثير من الأحيان مؤجلا أمام اعتبارات أخرى لا ترتبط دائما بالكفاءة أو الاستحقاق.

المطلوب اليوم، إذا أريد فعلا الانتقال من منطق التدبير التقليدي إلى منطق الاختيار الديمقراطي، هو إعادة بناء قواعد الترشيح من الأساس. ويتعلق الأمر هنا بوضع معايير مسبقة وعلنية، تضمن تكافؤ الفرص بين المترشحين، مع فتح فعلي لآليات التباري داخل التنظيمات، وتمكين الهياكل الجهوية من دور حقيقي في الاقتراح والاختيار، وليس فقط في المصادقة الشكلية.

كما أن الشفافية لا تكتمل دون عنصر أساسي غالبا ما يتم تجاهله، وهو تعليل القرارات. فإعلان الأسماء وحده لا يكفي، بل يفترض أن يرافقه تفسير سياسي وتنظيمي واضح لأسس الاختيار، بما يعزز الثقة الداخلية والخارجية، ويحد من منطق التأويلات والانطباعات التي تغذي بدورها أزمة الثقة في العمل الحزبي.

إن استمرار التعامل مع لجان التزكية كآلية مركزية وحيدة في تدبير الترشيحات، دون تطويرها في اتجاه مؤسساتية حقيقية للقرار الديمقراطي الداخلي، يكرس حالة من الجمود السياسي، ويعيد إنتاج نفس الأعطاب التي أضعفت الوساطة الحزبية، وقلصت من جاذبية العمل السياسي لدى فئات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بنقد إجراء تنظيمي في حد ذاته، بقدر ما يتعلق بإعادة طرح سؤال جوهري: هل الأحزاب السياسية بصدد إنتاج نخب جديدة تعكس تحولات المجتمع وتطلعاته، أم أنها تعيد تدوير نفس البنيات التقليدية في قوالب تنظيمية مختلفة؟
إن الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد، في العمق، معنى التزكية، وحدود اللجنة، ومستقبل التمثيل السياسي برمته.

*رئيس التكتل الديمقراطي المغربي

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button