حادثة باب دكالة.. كذب المروجين ومزايدات المتاجرين والمعايير المزدوجة عند بعض الحداثيين والمحافظين

من حق أي إنسان أن يعبر عن مواقفه وآرائه ويعلن عنها، رفضا أو تأييدا، نقدا أو تقويما… عندما يتعلق الأمر بقضية من قضايا الرأي العام. لكن ما أمقته أنا وأرفضه بشكل قاطع، أمور ثلاثة هي: التدليس الكذب والتهويل بشأن تلك القضية، التي يدلي فيها بدلوه. – الركوب على تلك القضية من أجل المزايدة، واتخاذها كقميص عثمان، للوصول لأغراض سياسية، أو حزبية، وحتى شخصية. – المعايير المزدوجة في التعاطي مع نفس القضية، أو ما هو من جنسها.
بالنسبة للكذب والتهويل، فإن الصورة التي رأيناها، هي لطائفة يهودية حريدية وربما حسيدية أيضا، تؤدي صلاة عادية، ومعروف أن الحريديم والحسيديم وكل هذه التيارات الدينية، غالبيتها الساحقة، ضد الصهيونية، وضد حتى إسرائيل، والنسبة القليلة المتبقية، تقبلها بدرجات متفاوتة.
لكن تعليقات الرافضين لتلك الصلاة، جعلت هؤلاء الحريديين صها//ينة، ومن علامات وآثار نتائج التطبيع، ومنهم من تحمس وكتب أنهم كانوا تحت حماية عناصر من الموساد، ومنهم من أضاف بأنه في وجود هذا الفراغ الأمني في المغرب، فقد جاءت عناصر من الموساد لحمايتهم، ضدا على المغرب ورغما عنه…
وهناك من يكتب أن المغرب أصبح مستباحا، وأن هؤلاء فعلوا فعلتهم تحديا للسلطات، أو أنهم قدموا من إسرائيل…
إلى غير ذلك من الاكاذيب والترهات، الواضحة الكذب، البينة البهتان، لأن قائلها لايكلف نفسه، حتى وضع مصادر كاذبة، وأدلة مفبركة على كلامه، لايكلف نفسه حتى فعل ذلك، يكفي أن يكذب الكذبة بدون أي مصدر، بغرض الإحماء والتسخين والتحريض والتهييج… لتجد الهمج الرعاع يتناقلونها دون تأكد أو روية، ودون أن يعرفوا آثار فعلهم وعواقبه.
رغم أنه من الوارد جدا أن يكون كل ماحصل، بعلم السلطات وموافقتها، أو أن القانون لايمنعه، ومن الوارد جدا أن يكون هؤلاء اليهود سياح أمريكيين أو أوروبيين، وليس بالضرورة إسرائيليين، وقد يكونون مغاربة أيضا… عموما في غياب المعلومة كل شيء وارد، لكن الذي يريد استغلال الحادثة للضرب في بلده، سيحملها ماتحتمل وأكثر مما تحتمل وما لاتحتمل.
مسؤولية السلطات
وفي هذه الحالة أنا أحمل المسؤولية للسلطات المعنية، فهي المسؤولة عن وضع حد لهذا السيل من الإشاعات والأكاذيب، التي يترتب عليها الشحن والتهييج والتحريض… وذلك بالخروج بشكل سريع، ببيان توضيحي، يضع المواطن في سياق وملابسات الحادثة، لقطع الطريق على السماسرة والمتاجرين، (سياسيا وإعلاميا وأيديولحيا، داخليا وخارجيا).
المعايير المزدوجة عن الحداثيين.
من أغرب ما رأيت، دفاع بعض المحسوبين على التيار الحداثي، على المصلين أمام باب دكالة، واعتبار ذلك من حرية العبادة، ومن حق المتدينين في ممارسة شعائرهم، الغريب أن تجد أن من بين أصحاب هذا الموقف، من يرفض صلاة المسلمين في الشارع، ويعتبرها استعراضا، حتى لو كانت صلاة فرد واحد في حديقة عمومية، تحت شجرة بعيدة منزوية.
المعايير المزدوجة عند المحافظين
من بين الذين رفضوا أداء مجموعة من اليهود لصلاتهم، تجد منهم من يفتخر بتمكن المسلمين من أداء صلاة التراويح بالتايم سكوير في أمريكا، وصلاة العيد في ملاعب كرة القدم في أوروبا.
ناسيا أن التحريض على بضعة أشخاصيهود، فقط لأنهم صلوا صلاة جماعية في الشارع، قد ينعكس مستقبلا، على المسلمين الذين يصلون بكل حرية، بل وتحت حماية الشرطة في بلدان الغرب، وقد يتخذ يمينيون متطرفون مثل هذه الحادثة، للتحريض ضد المسلمين، ومنعهم من أداء عباداتهم.
عين السخط على المغرب وعين الرضى على غيره.
من المعايير المزدوجة أيضا، التهويل من أي حادثة تقع في المغرب، والتهوين من نفس الحادثة إذا وقعت في بلد يحكمه فصيل أو تيار معين.
فوجود اليهود بشكل عام، والحريديين بشكل خاص، في كثير من دول العالم الإسلامي أمر معروف، وقيامهم بالطقوس الجماعية، وإحياء مناسباتهم علانية، واستقبالهم من طرف الحكام والرؤساء وحتى الشيوخ والقادة الدينيون، رأيناه في إيران وتركيا وقطر وسوريا وتونس…
فسوريا الجديدة مثلا، بقيادة زعيم إسلامي، انفتحت على يهودها، وبعد أن كانوا يعانون التضييق والخوف في عهد بشار، وهربوا من سوريا، الآن مرحب بهم في سوريا، ومبادرات إحياء التراث السوري قائمة على قدم وساق، وكذلك الطقوس العلنية.
أما تونس التي يعيش فيها أكبر عدد من الطائفة اليهودية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فعندما كانت تحكمها حركة النهضة، بتحالف مع حليفها منصف المرزقي، الذي كان يمسك رئاسة الجمهورية، والنهضة تمسك رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية ووزارة العدل ووزارة الشؤون الدينية…. كان الحج اليهودي السنوي، مزدهرا، بحماية ورعاية حكومة النهضة، ويأتي اليهود من كل أنحاء العالم بما فيها إسرائيل.
وهكذا في إيران عندما تفتح المجال ليهودها وتحتفي بهم، وعندما يفعل أردوغان ذلك، وعندما يستقبل القرضاوي اليهود في قطر… لن تجد نهائيا التهويل والاستنكار، بل التبرير والدفاع.
الركوب من أجل المزايدة
يتضح إذن أن الغرض ليس هو نصرة الحق، أو قول الحق، أو التعبير عن موقف مبدئي، أو الرفض أو القبول المتجرد…
الغرض مناكفة حزبية، ومعارضة سياسية، ومزايدة ايديولوجية، لأن الذي ينشد الحق، لايفرق بين منكر ومنكر، ولابين فاعل للمنكر، وفاعل آخر لنفس المنكر.
لكن عندما يكون الانتصار للتيار والحزب والجماعة والأيديولوجية، وإسقاط الخصوم السياسيين والأيديولوجيين، هو الهدف الحقيقي، فسنرى كل هذه الاكاذيب والتهويلات والمزايدات والتناقضات والمعايير المزدوجة والركمجة والتلميح أو التلويح بإسقاط النظام وهدم الوطن، في الوقت الذي يستميت نفس الشخص في الدفاع عن نظام آخر في أقصى الطرف الآخر من الكرة الارضية، انتصارا للحزب أو الجماعة أو القبيلة الأيديولوجية…. ولايهم بعد ذلك أي أثر سلبي تحدثه هذه التصرفات الصبيانية، وهذا الشحن والتحريض المتواصل.
والله إني لأمقت وأشمئز من الركوب على قضايا عادلة، والاختباء وراءها، من أجل تصفية حسابات سياسية، أو الوصول لأهداف حزبية، أكره وأمقت وأشمئز من هكذا تصرفات، ومن كل من يقوم بها.
وكلامي هذا ليس تعميما على كل من تكلم في الموضوع، وإنما على من تحققت فيهم السمات والعلامات المذكورة.


