أخبارالرئيسيةفي الصميم

الإرهاب في مالي والتورط المزعوم للدول المجاورة

بقلم: حسن رامو-أستاذ باحث–جامعة محمد الخامس-الرباط-عضو المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية

الحدث الافريقي- ترجمة بتصرف

تعيش مالي منذ أكثر من عقد أزمة أمنية عميقة، تتجلى في تصاعد العمليات الإرهابية وتعدد الفاعلين المسلحين. وقد شكلت هجمات 25 أبريل 2026، التي نُفذت بشكل منسق في عدة مناطق من البلاد، دليلاً جديداً على استمرار وتعقّد الظاهرة الإرهابية. هذه الهجمات، التي تبنتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد (FLA)، تعكس تحولاً استراتيجياً مهماً في مسار الصراع داخل مالي.

1. هجمات 25 أبريل 2026: مرحلة جديدة من الإرهاب في مالي

في 25 أبريل 2026، تعرضت مالي لسلسلة من الهجمات المتزامنة استهدفت مدن باماكو، كاتي، موبتي، غاو، كيدال، سيكاسو، وسيفاري. وقد طالت هذه الهجمات منشآت عسكرية ومدنية على حد سواء.

وأعلنت السلطات المالية مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، وتحييد أكثر من 200 إرهابي، في حين تشير بعض التقارير الإعلامية إلى أن عدد القتلى تجاوز الألف.

تكشف هذه الهجمات عن تحالف ميداني بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التابعة لتنظيم القاعدة، وجبهة تحرير أزواد ذات التوجه الانفصالي. ويعكس هذا التحالف تقاطع المصالح بين الجهاديين والانفصاليين بهدف إضعاف الدولة المالية وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية

.2. تطور الظاهرة الإرهابية في مالي: الاتجاهات والديناميات

منذ عام 2011، أصبحت مالي إحدى بؤر الإرهاب العالمية. ووفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي، فإن منطقة الساحل الإفريقي باتت تسجل أكثر من نصف ضحايا الإرهاب في العالم.

ويُظهر التسلسل الزمني للهجمات عدة مراحل رئيسية:

2012 – 2014: تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة بعد أزمة الشمال وانهيار مؤسسات الدولة.

2015 – 2016: فترة هدوء نسبي تلتها إعادة تنظيم الجماعات الإرهابية.

2017 – 2022: تصاعد غير مسبوق في وتيرة العنف، بلغ ذروته عامي 2021 و2022

.2023 – 2025: انخفاض مؤقت في عدد الهجمات، قبل أن تعود بقوة في عام 2026.

أما من حيث التوزيع الجغرافي، فيُلاحظ تقسيم واضح للأراضي المالية: الشمال تحت سيطرة الانفصاليين الأزواد، بينما يتركز نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في الوسط والجنوب. ويعكس هذا التقسيم تنسيقاً استراتيجياً بين الفاعلين المسلحين.

3. الاتهامات المالية للدول المجاورة:

شهدت العلاقات بين مالي وبعض جيرانها، خصوصاً الجزائر، توتراً متزايداً خلال السنوات الأخيرة.

عام 2022: اتهمت باماكو الجزائر بالتساهل مع الجماعات المسلحة في شمال مالي وتوفير فضاء وساطة مفرط في المرونة.

عام 2023: وجهت السلطات المالية اتهامات مباشرة للجزائر بدعم سياسي للجماعات الطوارقية.

عام 2024: أسقطت الجزائر طائرة استطلاع مالية، ما اعتُبر عملاً عدائياً.

عام 2025: صرّح رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا بأن الجزائر “تدعم الإرهاب الدولي” بعد إحباط عملية تهريب أسلحة إلى الجماعات الإرهابية.

تعكس هذه الاتهامات أزمة ثقة عميقة بين باماكو والجزائر، وتثير تساؤلات حول الدور الإقليمي في زعزعة استقرار منطقة الساحل.

4. الجذور التاريخية للعلاقة بين الجزائر والإرهاب في مالي

تعود بدايات النشاط الإرهابي في مالي إلى مارس 2003، حين تم اختطاف 32 سائحاً أوروبياً في جنوب الجزائر ونقلهم إلى شمال مالي من قبل الجماعة السلفية للدعوة والقتال (GSPC).ووفقاً لتقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2004 حول الإرهاب، قاد العملية عماري صيفي الملقب بـ”عبد الرزاق البارا”، وهو ضابط سابق في القوات الخاصة الجزائرية وحارس شخصي للجنرال نزار، وزير الدفاع الأسبق.

وأشار التقرير إلى أن تعامل السلطات الجزائرية مع الحادثة اتسم بالغموض، مما أثار الشكوك حول وجود تداخل بين بعض الأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة. منذ ذلك الحين، أصبح شمال مالي ملاذاً للجماعات المنبثقة عن الجماعة السلفية، التي تحولت لاحقاً إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (AQMI).

هذا الامتداد التاريخي يعزز الشبهات حول تورط غير مباشر للجزائر في استمرار النشاط الإرهابي داخل مالي.

5. الأبعاد الجيوسياسية والآفاق الإقليمية

لا يمكن فهم الإرهاب في مالي بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع. فالساحل الإفريقي اليوم يمثل ساحة لتقاطع المصالح والصراعات:

-صراعات سياسية بين دول الساحل والقوى الإقليمية مثل الجزائر والنيجر وبوركينا فاسو.

-تنافس أمني بين الجيوش الوطنية والجماعات المسلحة والقوى الأجنبية.

-رهانات اقتصادية تتعلق بالسيطرة على طرق التجارة والموارد الطبيعية وشبكات التهريب.

إن التحالفات المتغيرة بين الجماعات الجهادية والحركات الانفصالية تعكس إعادة تشكيل المشهد الأمني في المنطقة. وتواجه الدولة المالية تحدياً كبيراً في استعادة سيادتها على كامل أراضيها وسط ضعف مؤسساتها وتعدد الفاعلين المسلحين.

الخاتمة: يمثل الإرهاب في مالي ظاهرة مركبة تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية والهوياتية. وتشير هجمات أبريل 2026 إلى تحول نوعي في طبيعة التهديدات، وإلى هشاشة الدولة أمام تحالفات جديدة بين الجماعات المسلحة.

أما الاتهامات الموجهة إلى الجزائر، فتعكس تصاعد التوترات الإقليمية وتؤكد الحاجة إلى مقاربة جماعية لمواجهة الإرهاب في الساحل. ومن دون تعاون حقيقي واستراتيجية مشتركة، ستظل مالي ودول الجوار عالقة في دوامة من العنف وعدم الاستقرار المستمر.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button