
لم يكن اختيار المكان عفوياً، ولا التوقيت مصادفة. حين قرر الدكتور أحمد فطري، الأمين العام السابق لحزب الوحدة والديمقراطية، أن يعقد ندوة صحفية لشرح ملابسات استقالته المدوية، اختار أن يفعل ذلك من قلب معقل خصومه السياسيين: المقر المركزي لحزب العدالة والتنمية بحي الليمون في العاصمة.
و مما يرفع من منسوب التوقع بانضمام الدكتور فطري إلى حزب المصباح الحضور الفعلي والوازن لقياديي حزب العدالة والتنمية، وفي مقدمتهم الأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران ونائبه الأول إدريس الأزمي الإدريسي في الندوة الصحفية التي ستنعقد غدا الأربعاء 14 مايو 2026. مما يثير العديد من التساولات في الصالونات السياسية حول وجهة الدكتور فطري الذي لم يصدر حتى الساعة أي بيان رسمي يعلن فيه انضمامه إلى تشكيل حزبي جديد، ما يجعل “الضيافة” الإسلامية له محل تأويلات متعددة.
من الاستقلال إلى الوحدة والديمقراطية.. ثم ماذا؟
أحمد فطري ليس غريباً عن المنعطفات السياسية الحادة. ففي 2007، بدأ مساراً انشقاقياً عن حزب الاستقلال العريق، أثمر سنة 2009 عن ميلاد حزب الوحدة والديمقراطية (PUD)، الذي حصل على الاعتراف القانوني في 2 يناير من العام نفسه.
لكن بعد سبعة عشر عاماً من القيادة، أعلن فطري قبل أيام قليلة استقالته “النهائية وبأثر فوري” من الأمانة العامة، مع تخليه الكامل عن عضويته الحزبية، في خطوة وصفها مراقبون بـ”الزلزال الهادئ”.
وفي مراسلة رسمية وجهها إلى وزير الداخلية، أكد فطري أنه أشعر المكتب السياسي بقراره، وكلفه بتدبير المرحلة الانتقالية حتى انعقاد المؤتمر الوطني للحزب.
فاس على الطاولة.. وتمارة في الخلفية
لكن ما يشغل الأوساط السياسية أكثر من الاستقالة نفسها، هو ما يُحاك في الكواليس. فوفق مصادر سياسية مطلعة، هناك “اتفاق شبه رسمي” بين قيادة حزب العدالة والتنمية وأحمد فطري، يقضي بمنحه تزكية الحزب لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة عن دائرة فاس الانتخابية.
والأكثر دلالة، أن هذا الترتيب يأتي في سياق إعادة هيكلة داخلية للخريطة الانتخابية لـ”المصباح”، حيث سيحل فطري محل إدريس الأزمي الإدريسي في فاس، فيما سيتم توجيه الأخير لقيادة لائحة الحزب في مدينة تمارة.
و رسمياً، الندوة المرتقبة غداً مخصصة لـ”توضيح حيثيات الاستقالة وما ترتب عنها”. لكن سياسياً، قد تكون بمثابة إعلان ضمني عن ولادة تحالف جديد، أو على الأقل، عن بداية فصل جديد في مسار أحمد فطري السياسي، هذه المرة تحت قبعة “المصباح”.
وبين التوضيح والتلميح، تبقى الندوة موعداً ينتظره المتابعون بفضول، لفك طلاسم استقالة أثارت أكثر مما أجابت، ولمعرفة ما إذا كان فطري سيكتفي بشرح الماضي، أم سيعلن عن خارطة طريق للمستقبل.



