حين يصبح الفشل ثقافة.. الاحتفاظ بالفاشلين طريق مضمون لخسارة كل شيء

في عالم الإدارة والسياسة والرياضة والأعمال، لا تكمن المشكلة الحقيقية في وقوع الأخطاء، فكل تجربة بشرية معرضة للتعثر والهفوات، وإنما تكمن في الإصرار على الاحتفاظ بالفشل وتقديم المبررات له، رغم تكرار المؤشرات التي تؤكد عدم القدرة على الإنجاز أو تصحيح المسار.
إن المؤسسات الناجحة لا تُبنى على العواطف أو الولاءات الضيقة، بل على الكفاءة والمحاسبة والنتائج. وعندما يتحول الفشل المتكرر إلى أمر عادي يتم التسامح معه أو الدفاع عنه، تبدأ المؤسسة أو الجماعة أو المشروع في فقدان أهم عناصر قوتها: الثقة والمصداقية والقدرة على التطور.
التجارب العالمية أثبتت أن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي منظومة هو تقديس الأشخاص وإعفاؤهم من النقد والمساءلة. فالشخص الذي لا يُحاسب على أخطائه يعتقد مع مرور الوقت أنه فوق التقييم، فيتوقف عن التعلم ويتحول إلى عبء على محيطه بدل أن يكون قيمة مضافة له.
والأكثر خطورة أن الاحتفاظ بالفاشلين لا يضرهم وحدهم، بل يدفع الأكفاء إلى الإحباط أو الانسحاب. فعندما يرى أصحاب الكفاءة أن الفشل لا يترتب عنه أي تغيير، وأن الإنجاز لا يحظى بالتقدير المستحق، تتراجع روح المبادرة وتختل موازين الاستحقاق، لتصبح المؤسسة رهينة لمنطق الولاء بدل منطق الكفاءة.
كما أن الدفاع المستمر عن الأخطاء يخلق بيئة مغلقة ترفض النقد وتعتبر كل ملاحظة أو تنبيه نوعاً من العداء الشخصي. وفي هذه الأجواء تختفي الحلول الحقيقية، وتتراكم المشكلات حتى تصل إلى مرحلة يصعب معها الإصلاح.
ولا يتعلق الأمر بالأشخاص فقط، بل بثقافة كاملة تقوم على تبرير الفشل بدل مواجهته. فالأمم والمؤسسات التي حققت النجاح لم تفعل ذلك لأنها لم تخطئ، بل لأنها امتلكت الشجاعة للاعتراف بأخطائها وتصحيحها في الوقت المناسب.
إن الرسالة الأهم التي تؤكدها كل التجارب الناجحة هي أن الرحمة لا تعني التساهل مع الفشل الدائم، والوفاء لا يعني التمسك بمن أثبت عجزه عن التطور، والدعم الحقيقي لا يكون بتجميل الأخطاء، بل بالمصارحة والتقييم والمحاسبة.
فالاحتفاظ بالفاشلين رغم وضوح النتائج السلبية يشبه الإصرار على إبقاء ثقب في سفينة وسط البحر؛ قد يبدو صغيراً في البداية، لكن تجاهله سيؤدي في النهاية إلى غرق الجميع.
وفي زمن التنافس الشديد، لم يعد هناك مكان لمنطق “الفرصة بعد الفرصة” دون مراجعة أو إصلاح. فإما أن تكون هناك نتائج تبرر الاستمرار، أو تكون هناك شجاعة لاتخاذ القرار المناسب. لأن الثابت في كل التجارب أن الفشل عندما يُكافأ، تصبح الخسارة مصير الجميع، وعندما تغيب المحاسبة، يضيع النجاح وتُهدر الفرص وتتآكل المؤسسات من الداخل حتى تفقد كل شيء.



