Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

حين تختزل “الكوفية” مسافات الوطن: رحلة العائدين بالمذاق والانتماء

بقلم: ديمة الشريف
ثمة أماكن لا تطعم جسدك بقدر ما تغذي روحك بجرعات مكثفة من الانتماء والذاكرة. أماكن تولد من رحم الغربة لتصبح بمثابة “ممرات سرية” تعبر بنا فوق حدود الجغرافيا والسياسة، وتختزل آلاف الأميال في مساحة جدران دافئة. هذا بالضبط ما شعرت به في زيارتي الأولى لـ “مطعم الكوفية”؛ لم تكن مجرد رغبة في تناول وجبة طعام، بل كانت هجرة عكسية مؤقتة نحو الجذور، وعناقاً دافئاً مع وطن يسكننا ونعجز عن سكنه.
منذ الخطوة الأولى عبر عتبة المكان، يباغتك شعور غريب ومألوف في آن واحد، شعور يهمس في أذنك: “أنت الآن في فلسطين”. يصحو الحنين جارفاً من مرقده، تثيره تفاصيل بصرية وحسية جُمعت بعناية فائقة لتشكل لوحة فسيفسائية للهوية الإنسانية والتاريخية. فالجدران لا تحمل مجرد زينة، بل تنطق بحكايات الزيتون، والقدس، والقرى التي ما غابت عن البال.
لم يكن التميز هناك مقتصرًا على عبقرية المذاق، ورائحة زيت الزيتون البكر والزعتر البلدي التي تفوح من الأطباق لتداعب فينا ذكريات الطفولة وبيوت الجدات، بل تجلى الإبداع الأكبر في صون الهوية البصرية الحية. إن رؤية طاقم العمل وهم يتحركون كخلية نحل، متمسكين بارتداء الزي التقليدي الفلسطيني ومطرزاته التي تروي تاريخ كل مدينة، ومتوشحين بـ “الكوفية” بأنماطها المشغولة بالفخر، يبعث في النفس قشعريرة من الاعتزاز. الكوفية هنا ليست مجرد قطعة قماش، بل هي لواء يعلن أن الثقافة حية، متجددة، وعابرة للزمن والحدود.
إنهم لا يقدمون الطعام؛ بل يقدمون لنا وطنًا دافئًا على طبق من أصالة. الحفاظ على هذه التفاصيل التراثية الدقيقة يحول المطعم من مساحة تجارية إلى “سفارة ثقافية” مصغرة، تروي قصة شعب يتمسك بالحياة وبأرضه بكل تفاصيلها اليومية.
في كل مرة أزور فيها هذا المكان، يتكرر المخاض العاطفي ذاته. أخرج منه ومطرق قلبي يعزف لحن العودة، محملة برائحة البلاد ونكهاتها الشجية، وكأنني في كل زيارة أطير بجناحين من شوق، فأطوف بشوارع يافا، وأمشي في حواري القدس العتيقة، ثم أعود وقد تبللت روحي بندى فلسطين.
إنه ليس مجرد مطعم، بل هو تجسيد حي للمقولة الخالدة: “نحن لا ننسى، والوطن باقٍ فينا ما حيينا”.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button