الانتخابات المغربية..الرهان أكبر من صناديق الاقتراع

- الاستحقاقات المقبلة ليست مجرد تنافس حزبي على المقاعد، بل اختبار لقدرة النخب السياسية والإعلام الرقمي والمؤسسات على بناء الثقة وترسيخ المسار الديمقراطي في مغرب التحولات الكبرى.
في كل محطة انتخابية، يتجدد السؤال ذاته: هل يتعلق الأمر بمجرد منافسة على المقاعد، أم أن الانتخابات تمثل لحظة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع؟ وفي المغرب، يبدو أن الاستحقاقات المقبلة تحمل من الرهانات ما يجعلها تتجاوز بكثير حدود الصراع الحزبي التقليدي، لتتحول إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسسات على مواكبة التحولات العميقة التي يعيشها البلد داخلياً وإقليمياً ودولياً.
فالمغرب اليوم ليس هو مغرب انتخابات الأمس. لقد تغيرت البيئة السياسية، وتبدلت أولويات المواطنين، وبرز جيل جديد لا يكتفي بالشعارات، بل يبحث عن الكفاءة والنتائج والقدرة على تحويل الوعود إلى سياسات عمومية ملموسة. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت قواعد اللعبة، فلم يعد الخطاب الانتخابي يُصاغ داخل مقرات الأحزاب وحدها، بل أصبح يُختبر في الفضاء الرقمي المفتوح، حيث تنتشر المعلومة بسرعة، كما تنتشر الإشاعة بوتيرة أسرع.
ولعل أبرز ما يميز هذه الانتخابات أنها تأتي في سياق تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى يقودها الملك محمد السادس، سواء ما يتعلق بتعزيز الدولة الاجتماعية، أو تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، أو تسريع الإصلاحات الاقتصادية، أو التحضير لاستضافة المغرب لكأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. وهي مشاريع تحتاج إلى مؤسسات منتخبة قوية، قادرة على مواكبتها بكفاءة، بعيداً عن منطق الحسابات الضيقة أو المزايدات الانتخابية.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات تتوفر فيها شروط النزاهة والشفافية، وهي مكتسبات راكمها المغرب عبر مسار طويل من الإصلاحات، بل في استعادة ثقة المواطن، خاصة الشباب، في العمل السياسي. فالعزوف الانتخابي لا يعالج بالحملات الدعائية، وإنما بإقناع المواطن بأن صوته يحدث فرقاً، وأن المنتخب يمثل فعلاً مصالحه اليومية، لا مصالح حزبه أو شبكته الانتخابية.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها، بل تمتد إلى الإعلام، الذي أصبح فاعلاً رئيسياً في تشكيل الوعي الانتخابي. فالصحافة المهنية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بأن تكون فضاءً للمعلومة الدقيقة والتحليل الرصين، لا منصة لتصفية الحسابات أو ترويج الأخبار المضللة. أما الإعلام الرقمي، الذي بات المصدر الأول للأخبار لدى فئات واسعة، فيتحمل بدوره مسؤولية أخلاقية في حماية النقاش العمومي من التضليل وخطاب الكراهية والاستقطاب الحاد.
وفي المقابل، لم يعد بإمكان الأحزاب الاكتفاء بخطابات موسمية تظهر مع اقتراب موعد الاقتراع ثم تختفي بعد إعلان النتائج. فالناخب المغربي أصبح أكثر وعياً، وأكثر قدرة على المقارنة والمساءلة، بفضل الثورة الرقمية التي جعلت كل تصريح وكل وعد قابلاً للأرشفة والمراجعة والمحاسبة. ومن لا يمتلك مشروعاً مجتمعياً واضحاً، أو كفاءات قادرة على الإقناع، سيجد نفسه خارج دائرة التأثير مهما بلغت قوة حضوره الإعلامي.
ولا يمكن فصل هذه الاستحقاقات عن التحولات الجيوسياسية التي يعرفها المغرب. فالمملكة عززت حضورها القاري والدولي، ورسخت موقعها كشريك موثوق في إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، وحققت مكاسب دبلوماسية مهمة، خصوصاً في قضية الوحدة الترابية. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الحضور الخارجي على النقاش الداخلي، حيث تصبح جودة المؤسسات المنتخبة جزءاً من صورة المغرب الدولية، ومن عناصر قوته الناعمة.
إن الديمقراطية ليست مجرد موعد انتخابي يتكرر كل خمس سنوات، بل هي ثقافة للمساءلة، وممارسة يومية للمواطنة، وآلية لإنتاج النخب وتجديدها. ولذلك فإن النجاح الحقيقي للاستحقاقات المقبلة لن يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بعدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب، وإنما بقدرتها على إفراز نخب سياسية تمتلك رؤية، وكفاءة، وجرأة في اتخاذ القرار، وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
ويبقى الرهان الأكبر أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى محطة لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، لا إلى موسم جديد لإعادة إنتاج الخطابات نفسها. فالمغرب، وهو يدخل مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية، يحتاج إلى تنافس سياسي يليق بطموحاته، وإلى أحزاب تقنع بالعقل والبرنامج، لا بالشعار والانفعال، وإلى إعلام يصنع الوعي لا الضجيج. عندها فقط، ستصبح صناديق الاقتراع بداية لمرحلة جديدة، لا مجرد نهاية لحملة انتخابية.



