سلسلة..البوليساريو.. من الزملة إلى الزويرات 7/4

من المؤتمر الثاني إلى “الانقلاب الداخلي”.. كيف بدأت معركة السيطرة على قيادة البوليساريو؟
الحدث الافريقي- عبد السلام العزوزي
ليست كل الشهادات سواء، فبعضها يعيد سرد الوقائع، بينما يهز بعضها الآخر ملفات ظلت لعقود حبيسة الكواليس. وهذا ما فعله البشير الدخيل، أحد الأسماء المؤسسة لجبهة البوليساريو، حين خرج في حوار مطول ليروي تفاصيل يعتبرها الأقرب إلى “الصندوق الأسود” لنشأة الجبهة، مقدماً رواية مختلفة عن السردية التي تبنتها قيادتها منذ أكثر من نصف قرن.
وعلى امتداد أكثر من ساعة ونصف من الحوار، على قناة “الشرعي بودكاست”، تنقل الدخيل بين محطات التأسيس الأولى، والخلافات الداخلية، وعلاقته بالرئيس الراحل هواري بومدين والعقيد الليبي معمر القذافي، وصولاً إلى اتهامات غير مسبوقة وجهها للقيادة الحالية للجبهة، وعلى رأسها إبراهيم غالي، الذي لم يتردد في وصفه بأنه “خان رفاقه” وتحول، وفق روايته، إلى أداة لتنفيذ السياسات الجزائرية داخل التنظيم.
الحلقة الرابعة:
إذا كانت الحلقة الأولى من شهادة البشير الدخيل قد روت كيف ولدت فكرة تأسيس البوليساريو وسط حماس شبابي متأثر بأجواء التحرر في سبعينيات القرن الماضي، فإن هذه الحلقة ستكشف ــ بحسب روايته ــ اللحظة التي بدأ فيها الصراع الحقيقي داخل التنظيم، عندما تحولت الخلافات التنظيمية إلى صراع على القرار السياسي، قبل أن تتداخل ــ وفق شهادته ــ الحسابات الإقليمية مع مستقبل الجبهة.
ويؤكد الدخيل أن المؤتمر الثاني للجبهة، الذي انعقد سنة 1974، شكّل منعطفاً مفصلياً، ليس فقط لأنه رسخ قيادة الولي مصطفى السيد، وإنما لأنه فتح أيضاً الباب أمام أول مواجهة بين من يعتبرهم “المؤسسين” وبين أطراف يقول إنها كانت تسعى إلى إعادة تشكيل القيادة بما يخدم أجندات أخرى.
الولي مصطفى السيد… أول قائد بلا منازع
يستعيد الدخيل تفاصيل اختيار الولي مصطفى السيد قائداً للجبهة، مؤكداً أن الرجل لم يصل إلى موقعه بالصدفة، بل كان يحظى بإجماع واسع داخل النواة المؤسسة.
ويقول إن الولي كان الأكثر تكويناً سياسياً وتنظيماً بين الشباب المؤسس، ولذلك وقع عليه الاختيار لقيادة المشروع الناشئ، فيما أسندت إلى شخصيات أخرى مهام تنظيمية وعسكرية وفق خبراتها الميدانية.
وبحسب روايته، فإن إبراهيم غالي لم يكن آنذاك الشخصية المحورية داخل التنظيم، بل كان مجرد عنصر ضمن مجموعة أوسع، ولم يبدأ اسمه في الصعود إلا لاحقاً.
ليبيا… أول الداعمين
وفي معرض حديثه عن الدعم الخارجي، يرفض الدخيل ما يصفه بمحاولات اختزال نشأة البوليساريو في دور العقيد الليبي معمر القذافي. ويقر بأن ليبيا قدمت السلاح والدعم السياسي، وأن القذافي كان من أوائل القادة العرب الذين أعلنوا تأييد ما كان يسمى آنذاك “تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب”، لكنه يصر على أن فكرة التأسيس سبقت الدعم الليبي.
ويقول إن الليبيين دعموا الحركة كما دعموا حركات تحرر أخرى في إفريقيا والعالم العربي، غير أن ذلك ــ بحسب تعبيره ــ “لا يجعلهم مؤسسي البوليساريو”.
من الثورة إلى الحسابات الجيوسياسية
ويعتبر الدخيل أن التحولات الدولية والإقليمية سرعان ما غيرت طبيعة المشروع الذي بدأ به الشباب المؤسس. فمع احتدام الحرب الباردة، واحتدام الخلاف المغربي الجزائري بعد حرب الرمال، يرى أن القضية بدأت تدخل تدريجياً في صراع إقليمي أكبر من مؤسسيها.
ويقول إن الخطاب الثوري الذي كان سائداً آنذاك استلهم كثيراً من أدبيات المعسكر الشرقي، وأن شعارات “الثورة” و”الرجعية” أصبحت جزءاً من الخطاب السياسي للجبهة في تلك المرحلة.
أول احتكاك مباشر بالسلطة الجزائرية
ويتوقف الدخيل مطولاً عند أول زيارة رسمية لوفد من قيادة البوليساريو إلى الجزائر بعد المؤتمر الثاني. ويروي أن الوفد ضم ستة من أبرز قيادات الجبهة، بينهم الولي مصطفى السيد، وأنهم شاركوا في مؤتمر للشبيبة قبل أن يعقدوا سلسلة لقاءات مع مسؤولين جزائريين كبار.
ويصف تلك المرحلة بأنها كانت بداية التعرف الحقيقي على طريقة تفكير السلطة الجزائرية، قائلاً إنهم لمسوا منذ ذلك الوقت اهتماماً كبيراً بتركيبة القيادة الداخلية للجبهة.
بداية الخلاف
وبحسب شهادة الدخيل، فإن الأمور تغيرت سريعاً بعد عودة الوفد من الجزائر. ويقول إن نقاشات بدأت داخل القيادة التنفيذية حول ضرورة تغيير أسلوب قيادة الولي مصطفى السيد، معتبراً أن بعض القيادات أصبحت تتحدث عن ضرورة اختيار قيادة جديدة.
ويرى أن تلك الدعوات لم تكن نابعة من نقاش داخلي طبيعي، بل جاءت ــ حسب روايته ــ بعد اتصالات جرت في الجزائر.
محاولة إبعاد الولي
ويكشف الدخيل أن اللجنة التنفيذية عقدت اجتماعاً في إحدى الخيام قرب تندوف، حيث طُرحت مسألة إعفاء الولي مصطفى السيد من منصبه.
ويؤكد أن الولي رفض القرار، متمسكاً بشرعية انتخابه في المؤتمر الثاني، ومعتبراً أن عزله لا يمكن أن يتم إلا عبر مؤتمر استثنائي يشارك فيه جميع المؤتمرين.
ويضيف أن عدداً من العسكريين رفضوا أيضاً ما اعتبروه تجاوزاً للشرعية التنظيمية، ما أدى إلى انقسام داخلي حاد داخل الجبهة.
بداية الانقسام
ويعتبر الدخيل أن تلك اللحظة كانت بداية الشرخ الحقيقي داخل البوليساريو. فمن وجهة نظره، انتقل الخلاف من مجرد نقاش سياسي إلى صراع مفتوح حول من يملك القرار داخل التنظيم. ويضيف إن جزءاً من القيادات المؤسسة وجد نفسه معزولاً، بينما بدأت شخصيات أخرى، من بينها إبراهيم غالي، في الاقتراب أكثر من دوائر النفوذ الجزائرية، وهو ما يعتبره بداية مرحلة جديدة في تاريخ الجبهة.
شهادة تُحمل المسؤولية للجزائر
وخلال هذه المرحلة من شهادته، يحمّل البشير الدخيل السلطات الجزائرية مسؤولية ما يصفه بإعادة تشكيل القيادة الداخلية للبوليساريو.
ويرى أن الهدف لم يكن فقط دعم الجبهة، وإنما ضمان قيادة أكثر انسجاماً مع التوجهات الجزائرية في إدارة الملف، وهي رواية تعبر عن موقفه الشخصي، بينما تتمسك الجزائر والبوليساريو برواية مغايرة تعتبر دعمهما للقضية نابعاً من موقفهما السياسي المعلن بشأن حق تقرير المصير.



