Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

على قد لحافك مد رجليك:ألمانيا بلا أجانب؟ فايدل تضع الهجرة في قفص الاتهام والاقتصاد يجيب


ألمانيا: منير لكماني

يصعب تخيل ألمانيا اليوم من دون الأجانب، فيما يتصرف جزء من الخطاب السياسي كأن البلاد تستطيع الاستغناء عنهم غدا. مستشفيات تعتمد على أطباء وممرضين قدموا من الخارج، مصانع تستقطب مهندسين وتقنيين من جنسيات متعددة، جامعات ومختبرات تستفيد من باحثين وأكاديميين دوليين، وقطاعات مهنية تعاني أصلا خصاصا حادا في اليد العاملة. ومع ذلك، ينتقل الأجنبي في بعض الخطابات من موقع الشريك في الاقتصاد إلى موقع المتهم بإرهاق الدولة واستنزاف نظامها الاجتماعي. هذه المفارقة حضرت بقوة في البوندستاغ يوم 9 سبتمبر 2026، حين جعلت أليس فايدل، زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا، الهجرة واللجوء محور هجومها على الحكومة والميزانية والسياسة الاقتصادية.

بنت فايدل خطابها على صورة شديدة التأثير سياسيا: مواطن يستيقظ صباحا للعمل، يؤدي الضرائب، ويواجه ارتفاع تكاليف الطاقة والمعيشة، مقابل مهاجر، بحسب تصويرها، يدخل منظومة المساعدات الاجتماعية ويعيش على حساب المال العام. ومن هذه المقارنة انتقلت إلى الحديث عن الأمن والجريمة والإنفاق، مطالبة بإنهاء ما وصفته بـ”الهجرة الجماعية إلى الأنظمة الاجتماعية” وتشديد إجراءات ترحيل من لا يملكون حق البقاء.

غير أن هذه الصورة، مهما امتلكت من قوة انتخابية، لا تقدم المشهد كاملا. فالأجنبي في ألمانيا ليس بالضرورة طالب لجوء أو متلقيا لإعانة. قد يكون طبيبا يعالج مريضا ألمانيا، أو مهندسا يشرف على مشروع صناعي، أو باحثا يطور تقنية جديدة، أو أستاذا يدرس في جامعة، أو ممرضا يرعى مسنا، أو حرفيا لا تجد الشركة بديلا عنه، أو عاملا في مصنع، أو سائقا يضمن استمرار حركة النقل.

هؤلاء لا يقفون خارج النظام الاقتصادي، بل يعيشون داخله ويساهمون في تمويله. يدفعون ضريبة الدخل، والتأمين الصحي، والتقاعد، وتأمين البطالة، ويستهلكون ويستثمرون ويدفعون الإيجارات والضرائب غير المباشرة. لذلك يصبح الحديث عن الأجانب باعتبارهم عبئا ماليا واحدا اختزالا يتجاهل ملايين الأشخاص الذين يساهمون يوميا في الخزينة الألمانية.

ويكشف سوق العمل حجم المفارقة. ألمانيا تعاني نقصا في الكفاءات داخل الصحة والرعاية والحرف والبناء والنقل والصناعة والتقنيات الحديثة والتعليم. ومستشفيات في مدن ومناطق كثيرة يصعب تصور استمرارها بالكفاءة نفسها من دون أطباء وممرضين أجانب. كما أن الجامعات الألمانية ومراكز البحث الكبرى لم تعد فضاءات وطنية مغلقة، بل مؤسسات تستقطب العقول من مختلف القارات وتنافس بها عالميا.

أما الصناعة، وهي أحد أعمدة الاقتصاد الألماني، فتضم بدورها آلاف المهندسين والتقنيين والعمال المهرة القادمين من الخارج. صناعة السيارات والميكانيك والكيمياء والخدمات اللوجستية والتقنية تعتمد بصورة متزايدة على كفاءات متعددة الجنسيات. فإذا كانت الشركات نفسها تطالب بتسهيل استقدام اليد العاملة المتخصصة، فكيف يستقيم ذلك مع خطاب يوحي بأن الأجنبي يمثل عبئا يمكن التخلص منه؟

حتى الرياضة تقدم صورة أخرى لألمانيا المعاصرة. الملاعب الألمانية تعج بلاعبين من أصول مختلفة يرفعون علم البلد ويصنعون انتصاراته. وحين يسجل لاعب هدفا بقميص المنتخب، لا يسأله الجمهور عن أصل والديه أو اسم جده. يصبح النجاح وطنيا، وتذوب الأصول أمام لحظة الفرح الجماعي. فهل يقبل الأجنبي حين يصنع الانتصار، ويصبح موضع شك حين ينتقل النقاش إلى الهجرة؟

ذلك لا يعني إنكار مشكلات حقيقية. من حق ألمانيا أن تحمي حدودها، وأن تمنع استغلال نظام اللجوء، وأن ترحل من لا يملك حق البقاء بعد استنفاد المساطر القانونية، وأن تحاسب مرتكب الجريمة أيا كان أصله. كما يحق لدافع الضرائب أن يسأل عن عدالة الإنفاق وكفاءة الدولة. لكن الفرق كبير بين تطبيق القانون وبين وضع ملايين البشر في قفص اتهام واحد.

لذلك يبدو السؤال الأجدر أكبر من شعار “مع الهجرة أو ضدها”: هل تستطيع ألمانيا فعلا أن تعيش من دون أجانب؟ المستشفيات والمصانع والجامعات والمختبرات وورش البناء والملاعب تقدم الجواب قبل السياسيين. ألمانيا تحتاج إلى سياسة هجرة أكثر حزما وعدلا، تميز بين من يساهم ومن يستغل، وبين من يملك حق البقاء ومن لا يملكه، من دون أن تجعل الأصل أو الاسم قرينة على الاستحقاق.

فالأجنبي قد يكون جزءا من مشكلات الهجرة، لكنه في ألمانيا اليوم طبيب ومهندس وباحث وعامل ودافع ضرائب ورياضي أيضا؛ أي إنه لم يعد واقفا على هامش الدولة، بل أصبح جزءا من قدرتها على الاستمرار.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button