كيف قرأ الإعلام الألماني موجة الهجرة الجماعية إلى سبتة المحتلة؟

ألمانيا-منير لكماني
لم تتعامل وسائل الإعلام الألمانية مع موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة في أواخر يوليو 2026 باعتبارها حادثا حدوديا عابرا، بل قدمتها بوصفها أزمة مركبة تمس قضايا الهجرة والأمن والحدود الأوروبية. وقد تباينت التغطيات بين وسائل اكتفت بعرض الوقائع الميدانية، وأخرى حاولت تفسير أسباب التدفق الجماعي، بينما ذهبت بعض الصحف إلى طرح قراءات سياسية مرتبطة بالعلاقات المغربية الإسبانية.
ركزت وسائل الإعلام العامة، مثل «تاغس شاو» Tagesschau، و«دويتشه فيله» Deutsche Welle (DW)، والقناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، على مشاهد العبور الجماعي نحو سبتة. وأوضحت أن أعدادا كبيرة من المشاركين وصلت سباحة من السواحل المغربية القريبة من الفنيدق، أو سيرا على الأقدام عبر المناطق الحدودية. كما أبرزت الضغط الذي تعرضت له مرافق الاستقبال داخل المدينة، والإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات الإسبانية لمواجهة الوضع.
وأشارت هذه الوسائل إلى أن موقع سبتة يجعل أي اضطراب فيها يحظى باهتمام أوروبي واسع، لأنها تمثل منفذا بريا مباشرا بين القارة الإفريقية والاتحاد الأوروبي. غير أن معظم التغطيات الألمانية استخدمت الوصف الإسباني للمدينة، وقدمتها باعتبارها جيبا إسبانيا في شمال إفريقيا، من دون التوقف طويلا عند الموقف المغربي الذي يعد سبتة مدينة مغربية محتلة وخاضعة للإدارة الإسبانية.
وفي مقابل التغطية الخبرية المباشرة، حاولت صحف مثل «دي تسايت» Die Zeit و«زود دويتشه تسايتونغ» Süddeutsche Zeitung البحث في الأسباب التي دفعت أعدادا كبيرة من الشباب إلى التحرك في وقت متقارب. وناقشت هاتان الصحيفتان دور منصات التواصل الاجتماعي في نشر معلومات حول مواعيد العبور، وحركة المد والجزر، وإمكانية الوصول سباحة إلى المدينة. كما تحدثتا عن انتشار تفسيرات غير دقيقة لبعض الأحكام والإجراءات القانونية الإسبانية المتعلقة بإعادة المهاجرين.
ورأت بعض التحليلات أن الإشاعة لعبت دورا مهما في توجيه الحشود، إذ اعتقد عدد من الشباب أن الوصول إلى سبتة سيمنحهم فرصة الانتقال إلى الأراضي الإسبانية داخل القارة الأوروبية. لكن هذا الاعتقاد اصطدم بواقع مختلف، لأن الوصول إلى المدينة لا يعني تلقائيا القدرة على مغادرتها نحو شبه الجزيرة الإيبيرية.
كما اهتمت إذاعة «دويتشلاند فونك» Deutschlandfunk وإذاعة بافاريا العامة Bayerischer Rundfunk (BR) بالبعد الإنساني والميداني للأحداث. وركزت تقاريرهما على مخاطر العبور سباحة، والضغط الذي تعرضت له مراكز الاستقبال، إلى جانب الأرقام المتغيرة التي قدمتها السلطات الإسبانية بشأن أعداد الوافدين والعائدين.
أما صحف ومنصات مثل «فيلت» Die Welt و«فوكوس أونلاين» Focus Online وشبكة التحرير الألمانية RedaktionsNetzwerk Deutschland (RND)، فقد تبنت نبرة أكثر حدة. وطرحت بعض مقالاتها احتمال وجود أبعاد سياسية وراء موجة العبور، وربطت بين الأحداث والسياق الإقليمي والعلاقات بين الرباط ومدريد.
غير أن هذه القراءات لم تستند إلى أدلة علنية تثبت وجود قرار رسمي مغربي بتسهيل العبور، وبقيت في حدود التحليل السياسي، أو تصريحات بعض الخبراء والمسؤولين الإسبان، أو مقالات الرأي. ولذلك لا يمكن تقديمها بوصفها حقائق ثابتة أو نتائج تحقيقات صحفية مستقلة.
ومن جهتها، استخدمت صحيفة «بيلد» Bild ومجلة «شتيرن» Stern لغة أكثر درامية، وركزتا على صور الحشود، وحالات الفوضى داخل سبتة، ومبيت بعض الوافدين في الشوارع، ومخاطر الغرق. كما اهتمتا بالجدل السياسي داخل ألمانيا بشأن احتمال انتقال المهاجرين إلى دول أوروبية أخرى، رغم أن الوصول إلى سبتة لا يعني القدرة على الانتقال مباشرة إلى ألمانيا أو بقية دول فضاء شنغن.
ويكشف هذا التفاوت أن الإعلام الألماني لم يقدم رواية موحدة لما جرى. فوسائل الإعلام العامة، مثل Tagesschau وZDF وDeutsche Welle، التزمت في الغالب بعرض الوقائع، بينما بحثت الصحف التحليلية، مثل Die Zeit وSüddeutsche Zeitung، في العوامل الاجتماعية والقانونية والرقمية. في المقابل، اتجهت بعض المنابر المحافظة والشعبية، مثل Die Welt وFocus Online وBild، إلى تقديم تفسيرات أكثر تسييسا وإثارة.
كما أولت التغطية الألمانية اهتماما بالجانب الإنساني للأزمة. فقد تناولت مخاطر السباحة نحو سبتة، وحالات الغرق والإصابة، والظروف الصعبة التي واجهها الوافدون بعد وصولهم. وركزت تقارير عدة على أن كثيرا من المشاركين كانوا من الشباب الذين دفعتهم البطالة، وضعف الفرص، والرغبة في الوصول إلى أوروبا، إلى خوض مغامرة قد تنتهي بالموت.
لكن الجانب التاريخي ظل محدود الحضور في معظم التغطيات. فسبتة ليست مجرد نقطة حدودية أوروبية في إفريقيا، بل مدينة مغربية احتلتها البرتغال سنة 1415، قبل أن تنتقل إلى السيطرة الإسبانية. ومنذ استقلال المغرب سنة 1956، ظل الموقف المغربي يعتبر استمرار الوجود الإسباني فيها امتدادا لحالة استعمارية لم تتم تصفيتها.
ومن هنا، فإن قراءة الأحداث من زاوية الهجرة وحدها تبقى ناقصة. فكل ما يقع في سبتة المحتلة يحمل في خلفيته تاريخا طويلا من الصراع حول السيادة والهوية والحدود. ومع ذلك، اختار الإعلام الألماني التركيز أساسا على أمن الاتحاد الأوروبي، وقدرة إسبانيا على إدارة الحدود، والخوف من انتقال الأزمة إلى دول أوروبية أخرى.
وتظهر مجمل التغطيات أن الإعلام الألماني رأى في موجة العبور اختبارا جديدا للسياسة الأوروبية في مجال الهجرة، لكنه لم يمنح الموقف المغربي التاريخي المساحة نفسها. وبينما قدمت سبتة باعتبارها حدودا أوروبية مهددة، غاب إلى حد كبير السؤال الأعمق: كيف يمكن لمدينة مغربية محتلة أن تتحول إلى بوابة أوروبية، من دون أن يبقى وضعها التاريخي والسياسي جزءا أساسيا من النقاش؟



