أخبارالرئيسيةفي الصميم

بنكيران في إهانة مُخزية لأهل مكناس:” لا يمكنك الذهاب إلى فاس دون أن تدوس على مكناس”

باريس-أحمد الميداوي

ماذا عساي أقول لكبير المهرجين، عبد الإله بنكيران سوى “إذا لم تسْتح فقل ما شئت”. في زيارة “انتخابوية” لمدينة مكناس مرورا منها إلى فاس، لم يجد من كلام يختزل فيه القيمة الرمزية للعاصمة الإسماعيلية، أنسب من هذه العبارة المُهينة: “ميكمنش تمشي لفاس إيلا مدزتيش على مكناس”.

انظروا إلى هذا التمويه الخطير والمُهين، وكأن مكناس ليست أكثر من ممر عابر إلى فاس، أو حجر على قارعة الطريق يمكن أن تدوسه الأقدام وهي في طريقها إلى مدينة أخرى.

ويزيد الرجل في تعميق الإهانة، فيضيف: “حنا ديما غاديين جايين على مكناس”، جاعلا من مدينة بأكملها مجرد أرض تطأها الأقدام للوصول إلى غيرها، وليست مدينة لها تاريخها، وذاكرتها، ورمزيتها، وموقعها العميق في بناء الدولة المغربية.

رجل في حجم رئيس حكومة سابق، حكم المغرب لعقد كامل، لا يفهم أن مكناس التي تقف شامخة بأسوارها ومعالمها وذاكرتها الإسماعيلية، والتي ارتبط اسمها بمرحلة مفصلية من تاريخ الدولة العلوية، لا يجوز اختزالها في “طريق” يؤدي إلى مدينة أخرى. ثم إن مكناس ليست مدينة بلا ذاكرة حتى تحتاج إلى شهادة رجل بنى أمجاده على ثلاث: التهريج، البكاء، والاحتيال على الدين لسرقة السلطة.

مكناس تحديداً لها ما يكفي من التاريخ كي لا تقبل أن تُختصر في عبارة من هذا النوع. هي مدينة المولى إسماعيل، عاصمة الدولة العلوية، مدينة الأسوار والأبواب والقصور، ومدينة صنعت جزءا من صورة المغرب الذي نعرفه اليوم.

ومن هذا المنطلق، أدعو صديقي المهرج أن يعتذر لكل المكناسيين على مثل هذه اللغة المُهينة الواردة في سياق انتخابي بئيس. عليك أن تفعل بلا تردد، وإلا سيلفظك أهل مكناس أنت وأنصارك من مدينتهم، كما يلفظون نواة الثمرة، أو كما يلفظ البحر سمكو لتموت . اِعتذر على وجه السرعة، على لغة المفاضلة الخفية بين فاس ومكناس، وعلى منطق المدينة المركز والمدينة التابعة.

“لا يمكن الذهاب إلى فاس دون أن تدوس على مكناس” تستحق أكثر من مجرد إدانة، لأنها حتى لو قيلت في سياق عابر، فهي تحمل في صياغتها إهانة رمزية لمدينة ليست مجرد نقطة على الطريق. مكناس ليست طريقاً إلى فاس يا سي بنكيران. هل فهمت؟ والمدينتان لا يمكن وضعهما في سلمٍ تراتبي، حتى تكون إحداهما مجرد ممر إلى الأخرى. لكل واحدة منهما مجدها ودورها في التاريخ المغربي. بل إن مكناس، في مرحلة حاسمة من تاريخ المغرب، كانت عاصمة القرار السياسي للدولة المغربية.

لذلك فالمشكلة ليست في أن يقال إن الطريق إلى فاس يمر عبر مكناس، فهذا أمر جغرافي. لكن
المشكلة أن تتحول الجغرافيا إلى إهانة للتاريخ. فالطريق قد يمر بالمدينة، لكنه لا يمر ولن يمر أبدا فوق ذاكرتها، ورجالها، وكرامتها.

سؤال حارق أطرحه لزعيم المصباح الذي يضيء ما حوله فقط: هل هانت مكناس إلى هذا الحد حتى تُختزل في مجرد طريق يعبره المسافر للوصول إلى فاس؟ ألا ترى أن العبارة، سواء قيلت عفوية أو عن قصد، تستفز ذاكرة مدينة كاملة، وتوقظ سؤالاً ظل يتراكم في وجدان أهلها منذ سنوات: ماذا بقي لمكناس من حقها في خريطة التنمية؟ مدينة كانت، في لحظة مفصلية من تاريخ المغرب، عاصمة للدولة العلوية، وانتهى بها الأمر إلى الإحساس بأنها الطرف الأقل مرتبة في جهة تحمل اسمها إلى جانب اسم فاس (جهة فاس مكناس).

الأمر لا يتعلق بتحامل مدينة على مدينة، ولا برغبة في إضعاف فاس لصالح مكناس. ففاس مدينة عظيمة، وتاريخها ملك للمغرب كله، ومجدها لا يحتاج إلى انتقاص من مكناس. لكن التنمية ليست مسابقة بين المدينتين، والعدالة المجالية لا تعني أن تتقدم واحدة بالضرورة على حساب الأخرى.

المؤلم هو أن تتولد لدى أبناء مكناس قناعة بأن كثيراً من المشاريع والمؤسسات التي كان يمكن أن تعزز مكانة مدينتهم، انتهت في مكان آخر. أمثلة كثيرة تكرس هذا الواقع، منها كلية الآداب وقد تأسست في فاس عام 1961، وبعدها بحوالي 30 سنة، تأسست كلية الآداب بمكناس. جامعة سيدي محمد بن عبد الله (1975)، وبعدها ب15 سنة تأسست جامعة المولى إسماعيل (1989). ثم المطار وكانت بداية نشأته بمدينة مكناس، فتحوّل غصبا عنها إلى فاس. كلية الطب خُطط لها كي تكون بمدينة مكناس، فتحولت إلى فاس من دون استشارة أهلها.

وكلما طرح أبناء مكناس ملفاً تنمويا استراتيجيا، عادوا إلى السؤال نفسه: أين نصيب مدينتهم من المؤسسات التي تصنع المستقبل؟ الجامعة ليست مجرد بناية، والمطار ليس مجرد مدرج للطائرات، وكلية الطب ليست مجرد اسم على حائط.  إنها مراكز قوة علمية واقتصادية واجتماعية، حولها تتشكل الاستثمارات، وتتحرك العقارات، وتولد الخدمات، وتستقطب الكفاءات، وتتغير صورة المدينة لعقود طويلة.

ثم جاءت الجهوية، وكان من المفترض أن تكون جهة فاس- مكناس إطارا لتكامل المدينتين والمناطق التابعة لهما، لا سُلّماً تصعد عليه مدينة، بينما تظل الأخرى تراقب من الأسفل. الجهوية جاءت لتصنع التكامل، لا التبعية. والجهوية الحقيقية تعني أن تتكامل المدينتان بدل أن تتحول إحداهما إلى مركز والأخرى إلى هامش. ولذلك فإن الدفاع عن مكناس ليس عداءً لفاس، بل دفاع عن مبدأ بسيط، هو أن تأخذ كل مدينة حقها من التنمية بما يتناسب مع إمكاناتها وحاجاتها ومكانتها.

وليعلم سي بنكيران ومن معه، أن مكناس صبرت كثيرا. صبرت على تراجع بريقها، وعلى تأخر عدد من مشاريعها، وعلى إحساس متزايد بأنها لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه. ومع ذلك بقيت مدينة حية، صامدة، متشبثة بتاريخها، تنتظر فقط أن تُمنح الفرصة لكي تستعيد موقعها الطبيعي.

وقبل أن يطلق كبير المهرجين عبارته الساخرة “حنا غاديين جايين على مكناس”، عليه أن يتذكر أن المدن لا تنسى. والدوس عليها، سينقلب قريبا على صاحبه الذي يريد الوصول إلى أصوات المكناسيين. لأن مكناس قد تكون طريقا جغرافيا إلى فاس، لكنها ليست طريقا إلى أصوات أهلها.

والمدينة التي صبرت طويلا، ستقول قريبا في لحظة الحسم، لحزب المصباح: “ليذهب للجحيم من يريد العبور فوقي، ويرفض العبور بي إلى المستقبل.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button