أخبارالرئيسيةثقافة و فن

همسة..حين يهين المنصب صاحبه قبل أن يهين الآخرين

بقلم: القبطان عبدالله دكدوك
ثلاث ساعات وأكثر من الانتظار داخل عيادة طبيبة بمدينة مكناس، رجل تعليم يرافق زوجته الكريمة من أجل الكشف، ينتظر دوره كما ينتظر غيره، دون امتياز ولا طلب معاملة خاصة.
بعد انتهاء الكشف، لم يطلب الرجل شيئا خارجا عن المألوف. طلب فقط وثيقة تثبت حضوره ومرافقته لزوجته حتى يدلي بها لإدارته، باعتباره مسؤولا عن مؤسسة تعليمية ومرتبطا بواجبات مهنية وإدارية.
لكن الطلب قوبل بالرفض.
وحين أوضح الرجل أنه رجل تعليم ومسؤول عن إدارة تربوية، لم تمنحه الطبيبة حتى فرصة استكمال كلامه، فجاء الرد الصادم:
«رجال التعليم كلهم كذابون»
هنا تتوقف الحكاية عند الورقة وتنفتح على سؤال أكبر بكثير:
كيف يمكن لمهنية يفترض أن تقوم رسالتها على احترام الإنسان وكرامته أن تختزل فئة مهنية كاملة في حكم جارح وتعميمي؟
المشكلة ليست في أن ترفض الطبيبة تسليم وثيقة إن كانت هناك ضوابط مهنية أو قانونية تمنعها من ذلك. من حقها أن ترفض وفق ما يسمح به القانون والتنظيم.
لكن ليس من حقها أن تحول الرفض الإداري إلى إهانة جماعية.
فبين رفض طلب وإهانة صاحبه مسافة أخلاقية شاسعة.
وبين أن تقول
«لا يمكنني تسليم هذه الوثيقة»
وأن تقول
«رجال التعليم كلهم كذابون»
فرق يكشف مستوى التعامل قبل أن يكشف موقفا من الورقة.
والأخطر في هذه الحالة أن العبارة لم تستهدف شخصا بعينه، وإنما امتدت إلى مهنة كاملة وإلى آلاف نساء ورجال التعليم الذين يقفون كل يوم أمام أجيال الوطن.
فهل يصبح خطأ فرد مفترضا مبررا لإدانة جماعة بأكملها؟
وهل يجوز لموقف شخصي أو تجربة عابرة أن تتحول إلى حكم مطلق على مهنة لها تاريخها ورجالها ونساؤها ورسالتها؟
ثم هناك سؤال آخر أكثر إيلاما:
كيف يمكن لإنسان أن يصل إلى موقع مهني محترم ثم يتعامل باستخفاف مع مهنة التعليم التي صنعت في هذا الوطن الطبيب والمهندس والقاضي والإداري والمثقف وكل صاحب مهنة؟
فالطبيب لم يولد طبيبا.
والمدير لم يولد مديرا.
ولا صاحب المنصب جاء إلى موقعه محمولا على أكتاف المنصب نفسه.
وراء كل واحد منا معلم ومدرسة وقسم وكتاب ومرحلة من التربية والتكوين.
ولهذا فإن احترام التعليم ليس مجاملة لرجاله، بل احترام لجذور المجتمع نفسه.
قد تختلف مع رجل التعليم
قد ترفض طلبه
قد تنتقد أداءه
بل من حقك أن تحاسبه إن أخطأ
لكن أن تجعل من مهنة كاملة موضوعا للسخرية والاتهام فهذا انتقال من الاختلاف إلى التجني.
والحالة هنا ليست مجرد سوء تفاهم داخل عيادة.
إنها حالة تستحق التأمل في معنى المهنة نفسها.
لأن المهن لا تقاس فقط بالشهادات والألقاب والعيادات والمكاتب والمناصب.
المهنة أخلاق قبل أن تكون امتيازا.
وقد يملك الإنسان أعلى الشهادات، لكنه يخسر شيئا أهم منها حين يفقد القدرة على احترام الإنسان الذي يقف أمامه.
وقد يصل المرء إلى منصب كبير، ثم يكتشف الآخرون أن المنصب كبر بينما لم تكبر معه أخلاق صاحبه.
وهنا أتذكر دائما أن الإنسان لا ينبغي أن يخجل من جذره، بل أن يعتز بالطريق الذي أوصله.
ومن كان في يوم من الأيام تلميذا أمام معلم، ثم أصبح طبيبا أو مهندسا أو مسؤولا أو مديرا، فالأجدر به أن يتذكر أن وراء كل شهادة معلما، ووراء كل نجاح مدرسة، ووراء كل موقع أسرة ومجتمعا ومؤسسات ساهمت في بناء الإنسان.
لا تنكر اليد التي علمتك أول حرف، لأن إنكارها لا يرفعك فوقها بل يكشف مقدار ما فقدته من وفاء.
هذه الهمسة ليست دعوة إلى خصومة مع طبيبة.
وليست إساءة إلى مهنة الطب التي نحترم رسالتها ونقدر أهلها.
بل هي سؤال أخلاقي صريح:
أين ينتهي حق المهني في الرفض وتبدأ مسؤولية الإنسان في احترام كرامة الآخر؟
وأين يبدأ المنصب في خدمة الإنسان وينتهي إلى صناعة شعور زائف بالتعالي عليه؟
أما رجل التعليم الذي خرج من ذلك الموقف حائرا، فلا أظنه كان يبحث عن معاملة خاصة.
كان يبحث فقط عن تفسير:
كيف يمكن أن يقضي أكثر من ثلاث ساعات منتظرا
ثم يطلب وثيقة مرتبطة بعمله
فيجد نفسه فجأة متهمًا بالكذب فقط لأنه قال إنه رجل تعليم؟
إن كانت هناك ورقة لا تمنح فلتُرفض الورقة
أما كرامة الناس فلا ينبغي أن تكون قابلة للرفض.
وفي النهاية…
ليس كل من حمل لقبا مهنيا قد حمل معه أخلاق المهنة.
فالشهادة تثبت أنك تعلمت
والمنصب يثبت أنك وصلت
أما احترام الناس فيثبت أنك استحققت ما وصلت إليه.
ويبقى التعليم مهنة قد يختلف الناس حول طرق تدبيرها وتقييمها، لكن لا يحق لأحد أن يهين أهلها بالجملة.
لأن من يهين المدرسة التي صنعت الإنسان قد يهين في لحظة ما جزءا من البيت الذي صنعه هو أيضا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button