المغرب بين ترسيخ المكتسبات وتسريع الأوراش الكبرى

تكشف أبرز عناوين الصحف الوطنية والإلكترونية الصادرة اليوم الجمعة 14 غشت 2026 عن مشهد مغربي تتقاطع فيه ملفات الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والأوراش الكبرى مع قضايا السيادة والوحدة الترابية والانفتاح الدولي. وبينما تواصل المملكة تعبئة مواردها وتسريع مشاريعها الاستراتيجية، تبرز في المقابل تحديات مرتبطة بتدبير المالية العمومية، وتوفير الأدوية، وتأمين الأسواق، ومواكبة الفئات الاجتماعية والمهنية.
في الواجهة الوطنية، يستوقفنا تخليد الذكرى الـ47 لاسترجاع إقليم وادي الذهب، باعتبارها محطة بارزة في مسيرة استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية. وهي مناسبة تستحضر من خلالها المملكة محطات تاريخية طبعت مسار بناء الدولة المغربية الحديثة، وتعكس استمرار مركزية قضية الوحدة الترابية في الذاكرة الوطنية وفي الخطاب السياسي والمجتمعي.
وفي السياق نفسه، تعود إلى الواجهة ذكرى مظاهرة المشور بمراكش سنة 1953، التي وصفها المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير مصطفى الكثيري بأنها شكلت شرارة أولى لملاحم ثورة الملك والشعب. وتكتسب هذه الذكرى دلالتها من كونها تجسد، في الذاكرة الوطنية، تلاحم العرش والشعب في مواجهة الاستعمار والدفاع عن السيادة الوطنية.
وعلى المستوى الاقتصادي، تبدو المؤشرات المالية حاملة لبعض الإشارات الإيجابية، إذ بلغت المداخيل العادية للدولة 261 مليار درهم إلى نهاية يوليوز، بارتفاع نسبته 8.3 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. كما سجل عجز الميزانية تراجعا مقارنة بسنة 2025، وهو ما يعكس، في جانب منه، تحسنا في بعض التوازنات المالية، وإن كان ذلك لا يلغي استمرار الحاجة إلى التحكم في النفقات وتعزيز الموارد المستدامة.
ولا يقتصر النشاط الاقتصادي على المالية العمومية، بل يمتد إلى قطاعات الإنتاج والتصدير. فقد سجلت منتجات الصيد الساحلي والتقليدي ارتفاعا في القيمة والوزن، فيما حقق المغرب أداء لافتا في سوق الفواكه الحمراء بالنرويج، بعدما أصبح أول مزود لها بالتوت العليق والتوت الأسود الطازج، وفق المعطيات المشار إليها في الصحف. وهي مؤشرات تؤكد تنامي حضور المنتجات المغربية في الأسواق الخارجية، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحدي الحفاظ على القدرة التنافسية وتعزيز القيمة المضافة.
أما في المجال الفلاحي، فإن إنتاج الشمندر السكري بدكالة، الذي تجاوز 544 ألف طن خلال الموسم الفلاحي 2025-2026، يقدم صورة أخرى عن أثر الظروف المناخية الملائمة وتحسن التساقطات المطرية في دعم بعض السلاسل الفلاحية. غير أن هذه النتائج تظل مرتبطة بمدى قدرة القطاع على مواجهة تحديات الماء والمناخ وضمان استدامة الإنتاج.
وفي الجانب الاجتماعي، تستمر الحكومة في إجراءات المواكبة، من خلال الدعم الاستثنائي المباشر لمهنيي النقل الطرقي، إلى جانب دخول “جواز الشباب” حيز التنظيم، وهو برنامج يستهدف الشباب المغاربة والأجانب المقيمين بشكل قانوني، ويهدف إلى تسهيل ولوجهم إلى مجموعة من الخدمات. وتكمن أهمية مثل هذه المبادرات في قدرتها على تحويل السياسات العمومية من إجراءات ظرفية إلى آليات مستدامة تلامس الحياة اليومية للمواطنين.
وفي ملف آخر لا يقل أهمية، تتجه المملكة إلى مراجعة قواعد تحديد أسعار الأدوية وتعزيز آليات مواجهة حالات النقص الحاد أو خطر نفاد المخزون. ويكتسي هذا الورش حساسية خاصة، لأن إصلاح منظومة الأدوية لا يتعلق فقط بالأسعار، بل أيضا بضمان الأمن الدوائي واستمرارية تزويد السوق الوطنية، وتحقيق التوازن بين القدرة الشرائية للمواطن واستدامة القطاع الصيدلي.
وبالتوازي مع ذلك، يتواصل تسريع الأوراش المرتبطة بكأس العالم 2030. فمشروع الملعب الكبير للدار البيضاء، إلى جانب إعادة تأهيل المركب الرياضي بفاس بكلفة تناهز 2.816 مليار درهم، يعكسان حجم التحول الذي تعرفه البنية التحتية الرياضية بالمغرب. والمهم هنا أن هذه المشاريع لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها استعدادا لموعد رياضي عالمي، بل باعتبارها استثمارات طويلة الأمد يمكن أن تعيد تشكيل المشهد الحضري والاقتصادي والسياحي للمدن المعنية.
وفي البعد الإنساني، تأتي برقية التعزية التي بعث بها الملك محمد السادس إلى الرئيس الكولومبي إثر الزلزال الذي ضرب مناطق عدة من كولومبيا، لتؤكد حضور التضامن الإنساني في الدبلوماسية المغربية. كما تستقبل الرباط خمسين طفلا وطفلة من القدس للمشاركة في الدورة السابعة عشرة للمخيم الصيفي الذي تنظمه وكالة بيت مال القدس الشريف، بما يحمله البرنامج من أبعاد تربوية وثقافية وإنسانية.
أما العلاقات الاقتصادية الخارجية، فتقدم المبادلات التجارية بين المغرب والهند صورة عن تنامي التعاون بين البلدين، بعدما بلغت المبادلات السلعية 1.2 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2026، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في الصادرات المغربية وتحسن الفائض التجاري للمملكة.
وفي المقابل، تظل الملفات الأمنية والهجرة غير النظامية حاضرة بقوة، خصوصا مع تشديد السلطات المراقبة تحسبا لأي محاولات للعبور الجماعي غير القانوني نحو سبتة ومليلية. وتؤكد هذه التطورات أن التعامل مع الهجرة يتطلب، إلى جانب الإجراءات الأمنية، مواجهة الدعوات التحريضية وحماية الأشخاص من المخاطر التي قد تنجم عن محاولات العبور الجماعي.
خلاصة المشهد أن المغرب يدخل مرحلة تتطلب الجمع بين تثبيت المكتسبات وتسريع الإصلاحات. فالمؤشرات الاقتصادية الإيجابية، والأوراش الكبرى، وتوسيع الحضور في الأسواق الدولية، كلها عناصر تمنح الاقتصاد الوطني هامشا مهما للحركة. لكن النجاح الحقيقي سيقاس بمدى انعكاس هذه الدينامية على المواطن، وعلى فرص الشغل، والقدرة الشرائية، وجودة الخدمات العمومية، والأمن الدوائي، والتنمية المتوازنة بين مختلف جهات المملكة.
إن مغرب 2030 لا يبنى بالملاعب والطرق والمنشآت وحدها، بل أيضا بقدرة المؤسسات على تحويل هذه الاستثمارات إلى تنمية مستدامة، وبناء اقتصاد أكثر تنافسية وعدالة، وتعزيز الثقة في المستقبل. وبين التاريخ الذي يستحضر محطات استكمال الوحدة الوطنية، والحاضر الذي يراهن على الأوراش الكبرى، يبدو التحدي الأساسي واضحا: كيف يتحول حجم الطموح الوطني إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟



