الأمن الغذائي في إفريقيا..معركة الأرض والماء في مواجهة المجاعة

الملف الأول: إفريقيا..سلة غذاء العالم؟
الحدث الإفريقي – عبد السلام العزوزي
في إفريقيا، تبدو المفارقة صارخة إلى حد يصعب تجاهلها. قارة تمتلك مساحات هائلة من الأراضي الزراعية، وموارد مائية متفاوتة، وتنوعاً مناخياً وبيولوجياً نادراً، وثروة بشرية شابة، ومع ذلك ما زالت تستورد جزءاً مهماً من غذائها من الأسواق الدولية.
وبينما كانت إفريقيا لعقود تُقدَّم باعتبارها خزاناً محتملاً للغذاء العالمي، تكشف أرقام الواقع أن القارة لم تتمكن بعد من تحويل إمكاناتها الزراعية إلى قوة غذائية مستقلة. وتقدر الأمم المتحدة أن إفريقيا تنفق سنوياً ما بين 70 و100 مليار دولار على واردات الغذاء، في مقدمتها القمح ثم الأرز والذرة والزيوت الغذائية.
وهذه المفارقة لا تتوقف عند فاتورة الاستيراد. ففي الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة إلى الغذاء بفعل النمو السكاني والتحضر وتغير أنماط الاستهلاك، تواجه الزراعة الإفريقية ضغوطاً متصاعدة من الجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة وتدهور التربة ونقص الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا.
وهكذا، فإن السؤال لم يعد؛ هل تستطيع إفريقيا إنتاج الغذاء؟ بل أصبح أكثر عمقاً؛ هل تستطيع إفريقيا أن تنتج غذاءها بشروطها، وأن تحمي أمنها الغذائي من تقلبات السوق العالمية والمناخ والجغرافيا السياسية؟
قارة غنية بأرضها..فقيرة في قيمتها
تملك إفريقيا إمكانات زراعية ضخمة، لكن المشكلة الأساسية لا تكمن دائماً في غياب الموارد، وإنما في ضعف تحويل هذه الموارد إلى منظومة غذائية متكاملة. فالزراعة لا تبدأ بالحقل ولا تنتهي عند الحصاد. بين البذرة والمائدة توجد منظومة كاملة تضم التمويل، والأسمدة، والري، وآليات الحرث، والتخزين، والنقل، والتصنيع الغذائي، والتوزيع، والأسواق.
وهنا تكمن إحدى أكبر نقاط الضعف الإفريقية. فالقارة تنتج كميات كبيرة من المنتجات الزراعية، لكنها في حالات كثيرة لا تملك ما يكفي من قدرات التصنيع والتخزين والتوزيع التي تسمح لها بالاحتفاظ بالقيمة داخل اقتصاداتها.
والنتيجة أن جزءاً من القيمة الاقتصادية يغادر القارة مع المواد الخام، ثم تعود المنتجات إليها في صورة سلع مصنعة ذات قيمة أعلى. إنها مفارقة تشبه إلى حد كبير مفارقة المعادن الإفريقية التي تصدر الثروة الخام وتستورد القيمة المضافة.
الجوع لم يعد مجرد مشكلة إنتاج
تؤكد المعطيات الدولية أن صورة الأمن الغذائي الإفريقي أكثر تعقيداً من مجرد نقص في الإنتاج. فوفق أحدث تقرير أممي حول حالة الأمن الغذائي والتغذية، انخفض الجوع عالمياً بشكل طفيف خلال 2025، لكن إفريقيا ما تزال تحمل أكبر عدد من الأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية، بنحو 309 ملايين شخص. كما أن نحو 66.1 في المائة من الأفارقة يواجهون صعوبة في تحمل تكلفة نظام غذائي صحي. وهذا يعني أن معركة الغذاء هي أيضاً معركة القدرة على الوصول إلى الغذاء.
قد يكون الغذاء موجوداً في الأسواق، لكن ارتفاع الأسعار وضعف الدخل والبنية التحتية وسلاسل التوزيع قد تجعل الحصول عليه بعيداً عن متناول ملايين الأسر. ومن هنا تصبح السيادة الغذائية مرتبطة ليس فقط بحجم الإنتاج، وإنما أيضاً بالدخل والأسعار والنقل والتخزين والسياسات العمومية.
الساحل..الغذاء قضية أمن
في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، تتداخل أزمة الغذاء مع النزاعات المسلحة والنزوح والفقر وتغير المناخ. وقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة من أن نحو 52.8 مليون شخص في غرب إفريقيا والساحل كانوا مهددين بانعدام الأمن الغذائي الحاد خلال موسم الشح بين يونيو وأغسطس 2026، إذا لم تُتخذ إجراءات إضافية.
وهنا تنتقل قضية الغذاء من المجال الاقتصادي والاجتماعي إلى المجال الأمني. فالمزارع الذي يفقد أرضه بسبب الجفاف أو النزاع، والراعي الذي يفقد مراعيه، والأسرة التي تعجز عن شراء الغذاء، والشاب الذي يغادر قريته بحثاً عن مورد رزق، كلها حلقات في سلسلة واحدة يمكن أن تنتهي إلى الهجرة أو النزوح أو التوتر الاجتماعي أو حتى التجنيد في الجماعات المسلحة.
لهذا فإن الأمن الغذائي في إفريقيا يجب أن يُقرأ أيضاً باعتباره جزءاً من الأمن القومي والاستقرار السياسي.
المناخ يدخل الحقل الإفريقي
المشكلة أن الزراعة الإفريقية تدخل هذه المرحلة وهي في مواجهة مناخ أكثر قسوة وتقلباً. فمنطقة الجنوب الإفريقي تواجه مخاطر متزايدة مرتبطة بظاهرة «إل نينيو»، مع توقعات بارتفاع احتمال الجفاف الزراعي في مناطق واسعة من ناميبيا وبوتسوانا وأنغولا وزامبيا وزيمبابوي وجنوب إفريقيا وأجزاء من موزمبيق ومدغشقر.
وفي إفريقيا، لا يعني الجفاف مجرد تراجع في المحاصيل. إنه يعني أيضاً نقص الأعلاف، ونفوق الماشية، وارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع دخل الأسر الريفية، وضغطاً أكبر على الموارد المائية.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الجفاف أصبح مسؤولاً عن نحو ثلثي تدخلات البذور الطارئة في إفريقيا، في مؤشر على حجم الضغط الذي يفرضه تغير المناخ على الأنظمة الزراعية المحلية.
الماء..ثروة مستقبل الغذاء
إذا كانت الأرض هي قاعدة الزراعة، فإن الماء هو شرط بقائها. وهنا قد تكون المعركة القادمة أكثر تعقيداً. فالمياه لا تُستخدم للزراعة وحدها؛ إنها مطلوبة للشرب والصناعة والطاقة والتعدين والمدن. ومع ارتفاع الطلب وتراجع بعض الموارد المائية، يصبح توزيع المياه بين القطاعات والمناطق والدول قضية استراتيجية.
وتعرّف منظمة الأغذية والزراعة ندرة المياه بأنها الحالة التي يتجاوز فيها الطلب على المياه المتاحة، وهي مشكلة تتفاقم مع نمو الطلب وتراجع كمية أو جودة الموارد المائية.
وفي غرب إفريقيا تحديداً، تتقاطع الزيادة السكانية مع تراجع نصيب الفرد من الموارد المائية وارتفاع مخاطر الجفاف والفيضانات وموجات الحر. وقد حذرت مجموعة البنك الدولي من أن هذه الضغوط يمكن أن تكون لها انعكاسات كبيرة على النمو الاقتصادي في دول الساحل خلال العقود المقبلة.
وهنا يظهر السؤال الأكثر حساسية؛ هل ستكون حروب المستقبل على الأرض، أم على الماء الذي يجعل الأرض منتجة؟
إفريقيا أمام خيار تاريخي
الأمن الغذائي الإفريقي لا يمكن أن يُبنى بالاعتماد الدائم على الاستيراد والمساعدات. فالأسواق العالمية نفسها معرضة للصدمات المناخية والحروب والأزمات الجيوسياسية. وقد أظهرت السنوات الأخيرة كيف يمكن لحرب في منطقة بعيدة عن إفريقيا أن تؤثر في أسعار الحبوب والأسمدة والطاقة والنقل داخل القارة.
كما أن التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد يمكن أن تعيد الضغط على أسعار الغذاء، حتى عندما تكون الإمدادات العالمية الإجمالية كافية. لذلك تحتاج إفريقيا إلى الانتقال من مفهوم الأمن الغذائي إلى مفهوم أكثر طموحاً هو السيادة الغذائية. أي امتلاك القدرة على إنتاج جزء أكبر من الاحتياجات الأساسية، وتأمين المياه، وتطوير البذور، وتصنيع الأسمدة، وبناء مخزونات استراتيجية، وتحسين التخزين والنقل، وتصنيع المنتجات الزراعية محلياً.
من الأرض إلى التكنولوجيا
لكن المعركة ليست خاسرة. فالزراعة الإفريقية تمتلك فرصة تاريخية للاستفادة من التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية والزراعة الدقيقة وتحسين البذور وأنظمة الري الحديثة.
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن التقنيات الرقمية تفتح فرصاً جديدة لتعزيز أنظمة البذور في إفريقيا، وتحسين وصول المزارعين إلى بذور ذات جودة، ورفع الإنتاجية والقدرة على التكيف مع تغير المناخ. وهنا يمكن أن تتحول التكنولوجيا إلى أداة لتجاوز جزء من الاختلالات التاريخية.
فالمزرعة المستقبلية لن تعتمد فقط على مساحة الأرض، وإنما على كمية المعلومات التي يمتلكها المزارع عن التربة والماء والطقس والبذور والسوق.
ما وراء الخبر
المعركة الغذائية في إفريقيا ليست معركة بين إفريقيا والجوع فقط. إنها معركة بين إمكانات هائلة لم تُستثمر بالكامل وواقع اقتصادي ومناخي وجيوسياسي يفرض على القارة أن تعيد النظر في طريقة إدارة ثرواتها.
لقد كشفت معركة المعادن أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يعني بالضرورة امتلاك القوة الاقتصادية. والدرس نفسه ينطبق على الغذاء. ذلك أن امتلاك الأرض لا يعني امتلاك السيادة الغذائية، وامتلاك المياه لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إنتاج الغذاء، وإنتاج الغذاء لا يعني امتلاك القيمة الاقتصادية ما لم يتم تصنيعه وتسويقه داخل منظومة إفريقية متكاملة.
لهذا فإن الرهان الحقيقي ليس فقط أن تطعم إفريقيا سكانها. الرهان هو أن تتحول إفريقيا من سوق كبرى للغذاء المستورد إلى قوة غذائية قادرة على إنتاج غذائها، وتصنيع فائضها، وتصدير قيمته المضافة، وحماية مواردها من الاستنزاف المناخي والمائي.
وفي الحلقة المقبلة من «ملفات الحدث الإفريقي» نقترب أكثر من قلب المعركة.
الأرض الإفريقية…لمن تُزرع؟
من يملك الأرض؟ ومن يستثمرها؟ وما حقيقة الاستثمارات الأجنبية في الأراضي الزراعية الإفريقية؟ وهل تتحول الحاجة إلى الاستثمار الزراعي إلى شكل جديد من أشكال السيطرة على موارد القارة؟
نقرأ إفريقيا من الرباط… ونقرأ العالم من إفريقيا.



