أخبارالرئيسيةثقافة و فن

فندق السلطان بمكناس..من استعادة الذاكرة المعمارية إلى بناء اقتصاد ثقافي مستدام

ألمانيا-منير لكماني

تفقد المباني التاريخية أحيانا وظيفتها، لكنها لا تفقد بالضرورة معناها. فالذاكرة المعمارية، إذا أحسن استثمارها، يمكن أن تتحول إلى مورد ثقافي واقتصادي قادر على بث حياة جديدة في المدينة. من هذه الفكرة ينطلق مشروع «فندق السلطان»، لا باعتباره مجرد عملية ترميم لمبنى قديم، بل بوصفه تصورا متكاملا يعيد وصل التراث المغربي بالحاضر، ويمنح الحرف والفنون التقليدية فضاء معاصرا للعرض والإنتاج والتسويق.

ويطمح المشروع إلى أن يكون الأول من نوعه في المغرب ضمن نموذج متكامل لإحياء المباني التاريخية وإخراجها من حالة الجمود إلى فضاءات نابضة بالحركة والإبداع والنشاط الاقتصادي. فالغاية لا تتوقف عند إنقاذ بناية واحدة، بل تتجاوزها إلى تقديم تجربة قابلة للاقتداء والتعميم على المباني التاريخية المغربية التي فقد كثير منها وظائفه الأصلية، بحيث تتحول من شواهد صامتة على الماضي إلى مراكز حية للثقافة والسياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد المحلي.

يقوم المشروع على تحويل فندق السلطان إلى واحة ثقافية مفتوحة، تجمع الحرفيين والفنانين والزوار في تجربة واحدة. فبدلا من أن يبقى التراث معروضا خلف واجهات جامدة، يصبح حيا وقابلا للمشاهدة والمشاركة. وتتيح هذه المقاربة للحرفي أن ينتقل من موقع المنتج المجهول إلى موقع الفاعل الثقافي، وللفنان أن يجد فضاء يربط إبداعه بالذاكرة المحلية، وللزائر أن يكتشف الحرفة باعتبارها معرفة وجمالا واقتصادا في الوقت نفسه.

ويتجسد هذا التصور في مجموعة من المرافق المتكاملة، أبرزها ورشة «الممارسة الحية»، حيث يشاهد الزوار الحرفيين أثناء إنجاز أعمالهم، ويتعرفون إلى أدوات الحدادة الفنية والنحاسيات والنحت وتقنيات التشكيل والزخرفة. ولا تقتصر أهمية هذه الورش على الفرجة، بل تسهم في نقل المعرفة الحرفية إلى الأجيال الجديدة، وتفتح المجال أمام برامج تدريبية وورشات تطبيقية مدفوعة يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل مستدام.

إلى جانب ذلك، يضم المشروع رواقا للمعارض يحتضن إنتاج الحرفيين وأعمال الفنانين الضيوف، مع إمكان اقتناء القطع مباشرة. وهنا يتحول المعرض من فضاء ثقافي محض إلى حلقة في سلسلة اقتصادية، ترفع من قيمة المنتوج اليدوي، وتمنحه شروطا أفضل للتسويق، وتربط الإبداع المحلي بسوق أوسع داخل المغرب وخارجه.

ويحتل المقهى الثقافي التراثي مكانة محورية في هذا التصور. فالمقهى ليس مجرد خدمة مرافقة، بل فضاء اجتماعي للحوار واللقاء، يستلهم العمارة المغربية من خلال الأثاث الحديدي والطاولات النحاسية والمصابيح التقليدية. ويمكن أن يقدم الشاي المغربي والقهوة والأعشاب المحلية، ويستضيف أمسيات شعرية وموسيقية، ولقاءات مع الحرفيين والفنانين والباحثين، بما يجعل الزيارة تجربة ثقافية ممتدة لا مجرد مرور سريع.

أما «سوق السلطان»، فيمنح المشروع بعده التجاري المباشر، من خلال عرض المنتجات الحرفية والهدايا والقطع الفنية ذات الهوية المحلية. ويمكن تعزيز هذا الجانب بإنشاء متجر إلكتروني، وإنتاج محتوى رقمي يعرف بالحرفيين وقصصهم وتقنياتهم، وتنظيم جولات افتراضية وبث الورشات عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وبذلك لا يبقى الفندق أسير موقعه الجغرافي، بل يمتد حضوره إلى جمهور وطني ودولي.

ولا يقل البعد الاجتماعي أهمية عن الجانب الثقافي والاقتصادي. فالمشروع قادر على خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتشجيع الشباب على تعلم الحرف، وإدماج النساء والتعاونيات المحلية في مسارات الإنتاج والتسويق، فضلا عن دعم اقتصاد المدينة القديمة. كما أن إشراك السكان في البرمجة الثقافية يمنحهم شعورا بملكية المشروع، ويحول حماية التراث من مهمة إدارية إلى مسؤولية جماعية.

اقتصاديا، يقوم المشروع على تنويع الموارد بين مداخيل المقهى، وبيع المنتجات، والورشات التعليمية، والجولات الثقافية، وتنظيم الفعاليات، إضافة إلى الشراكات مع المؤسسات العمومية والفاعلين الاقتصاديين. ويمكن أن تشمل هذه الشراكات قطاعات الثقافة والسياحة والصناعة التقليدية، والجهات والجماعات الترابية، ومؤسسات التمويل والشركات الخاصة. كما تبرز إمكانية بناء شراكات ذكية مع علامات تجارية ذات صلة بالهوية المغربية، مثل شركات الشاي والمنتجات التقليدية، في إطار رعاية تحترم روح المكان ولا تحول التراث إلى مجرد واجهة إشهارية.

ولضمان الاستمرارية، يحتاج فندق السلطان إلى نموذج حكامة واضح يوازن بين البعد الثقافي ومتطلبات الجدوى الاقتصادية. فنجاح المبادرة لا يقاس بعدد الزوار فقط، بل بقدرتها على حماية الحرف، وتحسين دخل الصناع، وإنتاج برامج ثقافية منتظمة، والحفاظ على أصالة المكان. لذلك ينبغي اعتماد إدارة مهنية، ومؤشرات لتقييم الأثر الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، وشراكات طويلة الأمد.

وتكمن القيمة الأبعد لهذا المشروع في قدرته على تقديم نموذج مغربي جديد للتعامل مع التراث المعماري، يمكن استلهامه في الفنادق العتيقة والخانات والقصور والدور التاريخية والمباني التراثية المنتشرة في مختلف المدن المغربية، بما يفتح أمامها وظائف جديدة تتناسب مع العصر، وتحافظ في الوقت نفسه على هويتها وذاكرتها. فحماية التراث لا تعني تجميده، بل منحه أسباب الاستمرار، وإعادته إلى قلب الحياة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية

تنبع قوة مشروع فندق السلطان من كونه لا يفصل بين الثقافة والاقتصاد، ولا بين صيانة الذاكرة وصناعة المستقبل. فهو يقترح انتقالا حقيقيا من منطق «المبنى المحفوظ» إلى مفهوم «المبنى الحي»، ومن التراث الذي نزوره إلى التراث الذي نعيش داخله وننتج من خلاله المعرفة والجمال وفرص العمل. وإذا أصبح فندق السلطان نموذجا يحتذى به وطنيا، فلن يكون نجاحه في إنقاذ بناية تاريخية واحدة فحسب، بل في تغيير نظرتنا إلى التراث المغربي كله: من ذاكرة ساكنة تنتظر الزائر إلى قوة حية تتحرك، وتبدع، وتنتج، وتصنع مستقبل المدينة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button