استقالة بنصف مليون درهم..ريم شباط تواجه جبهة القوى الديمقراطية

الحدث الإفريقي – الرباط
لم تكن استقالة النائبة البرلمانية ريم شباط من حزب جبهة القوى الديمقراطية مجرد إجراء تنظيمي عابر، فقد أعادت إلى الواجهة سؤالا أعمق يتعلق بحدود العلاقة بين المنتخب والحزب الذي ترشح باسمه، وبالخصوص عندما تتقاطع حرية الانسحاب السياسي مع مطالبات مالية يقول الحزب إنها مستحقة في ذمة العضو.
القصة بدأت برسالة استقالة مؤرخة في 24 يوليوز 2026، ومصادق على صحة إمضائها، وجهتها شباط إلى الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، أعلنت فيها استقالتها التامة والنهائية من صفوف الحزب ومن جميع هياكله التنظيمية. وقد توصل الحزب بهذه الرسالة بواسطة مفوض قضائي بتاريخ 27 يوليوز.
لكن جواب الأمين العام للحزب، المؤرخ في 3 غشت، لم يتعامل مع الاستقالة باعتبارها مجرد واقعة تنظيمية مستقلة، بل أعاد إلى الواجهة إنذارا ماليا سابقا مؤرخا في 18 يونيو، يطالب النائبة بأداء مبلغ قدره 516.450 درهما، قبل أن يربط ترتيب الآثار القانونية لاستقالتها بتسوية هذه الوضعية المالية.
وهنا تحديدا تبدأ القضية في تجاوز حدود خلاف حزبي داخلي، لتتحول إلى سؤال سياسي وقانوني يستحق النقاش: هل يمكن أن تصبح الاستقالة من حزب سياسي مرتبطة بتسوية مبلغ مالي يدعي الحزب استحقاقه؟
تكشف الوثائق المتبادلة بين الطرفين أن المطالبة المالية لم تنشأ بسبب الاستقالة، وإنما سبقتها زمنيا.
ففي 18 يونيو 2026، وجه الحزب إلى ريم شباط إنذارا يطالبها فيه بتسوية ما اعتبره مستحقات مالية تراكمت منذ انخراطها في الحزب سنة 2021. وقد حدد الإنذار مجموع هذه المستحقات في 516.500 درهم، قبل خصم مبلغ 50 درهما سبق إيداعه في حساب الحزب، ليستقر المبلغ المطالب به في 516.450 درهما.
ولم يسبق للحزب ان طالب النائبة ريم شباط بمبالغ مالية إلا بعدما أحس وتيقن بأنها ستغادر الحزب إلى وجهة اخرى.
غير أن شباط تقول إنها لم تتوصل بهذا الإنذار.
أما محضر المفوض القضائي المرفق بالإنذار، فيثبت انتقال الكاتب المحلف إلى عنوانها، حيث وجد شخصا قدمه باعتباره زوجها، وأن هذا الأخير رفض حيازة الإنذار والتوقيع على شهادة التسليم.
وهذه الواقعة تفتح بدورها نقاشا حول مدى اعتبار الإنذار قد بلغ إلى المعنية بالأمر شخصيا، وهي مسألة قانونية لا يمكن حسمها بمجرد الوصف الوارد في المراسلات، وإنما تظل خاضعة لتقييم الجهة المختصة إذا أثير النزاع أمام القضاء.
516 ألف درهم..من أين جاء الرقم؟
المبلغ الذي يطالب به الحزب ليس بسيطا، بل يتجاوز نصف مليون درهم.
وحسب الإنذار، يتوزع هذا المبلغ بين 500 درهم كواجب للانخراط، و6.500 درهم كواجب للعضوية، و3.500 درهم عن المشاركة في سبع دورات للمجلس الوطني، و2.000 درهم عن المشاركة في مؤتمرين وطنيين، إضافة إلى 504 آلاف درهم باعتبارها مساهمات للمنتخبة باسم الحزب في مجلس النواب.
وهذه الأخيرة هي الجزء الأكبر من المطالبة، إذ اعتمد الحزب نسبة 25 في المائة من التعويضات الشهرية الخاصة بأعضاء مجلس النواب.
وهنا تبرز النقطة الأكثر حساسية في الملف: من أين جاءت نسبة 25 في المائة؟
فالقانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية يعتبر «المساهمات المالية للمنتخبين باسم الحزب» موردا من موارد الحزب، لكنه لا يحدد، في حد ذاته، نسبة موحدة قدرها 25 في المائة من التعويضات البرلمانية.
وبالتالي، فإن النزاع لا يتعلق بمبدأ مساهمة المنتخبين في مالية أحزابهم بقدر ما يتعلق بالسند الذي يحدد مقدار هذه المساهمة، والجهة التي أقرتها، وتاريخ اعتمادها، وكيفية إلزام المنتخب بها.
وهذا فرق جوهري بين «المساهمة» و«الدين»
لا يبدو أن الإشكال الحقيقي هو ما إذا كان الحزب يستطيع أن يتوفر على موارد من مساهمات منتخبيه؛ فالقانون يقر هذا النوع من الموارد.
لكن السؤال الأكثر دقة هو: متى تتحول المساهمة إلى دين ثابت في ذمة المنتخب؟
فالقول بوجود مساهمة مالية شيء، والقول بوجود دين محدد وقابل للتحصيل شيء آخر.
وحتى النظام الأساسي للحزب، الذي يتضمن مبدأ مساهمة الأعضاء في مالية الحزب، يطرح الحاجة إلى تحديد السند التفصيلي للمبلغ المطالب به، خصوصا عندما يتعلق الأمر بنسبة 25 في المائة من التعويضات البرلمانية.
ولهذا تطرح قضية ريم شباط أسئلة عملية أكثر من كونها مجرد سجال سياسي: هل توجد وثيقة أو مقرر حزبي محدد يقرر هذه النسبة؟ من الجهة التي اعتمدته؟ هل كان ساريا خلال كامل الولاية؟ هل تم إخبار المنتخبة به؟ وهل توجد كشوفات محاسبية توضح، شهرا بشهر، كيفية الوصول إلى مبلغ 504 آلاف درهم؟
ففي القضايا المالية، لا يكفي أن يكون الرقم كبيرا؛ بل ينبغي أن يكون قابلا للتفسير والإثبات.
هل يكفي الإنذار لإثبات الدين؟
من الناحية السياسية، قد يكون الإنذار وسيلة مشروعة للمطالبة بمستحقات يعتقد الحزب أنها ثابتة.
لكن الإنذار، في حد ذاته، لا يحول المبلغ المطالب به إلى حقيقة قانونية نهائية، خصوصا عندما ينازع الطرف الآخر في أصل الالتزام أو أساس احتسابه.
وهنا تتمسك ريم شباط بضرورة تمكينها من السند القانوني والتنظيمي لكل بند من بنود المطالبة، وعلى الخصوص الوثيقة التي تحدد نسبة 25 في المائة، والجهة التي أصدرتها، وكيفية تبليغها، وكشف الحساب التفصيلي الذي أدى إلى احتساب 504 آلاف درهم.
وبذلك ينتقل النقاش من سؤال «هل تدين النائبة للحزب؟» إلى سؤال أكثر مهنية: ما هو السند الذي يثبت الدين، وكيف تم احتسابه؟
الاستقالة..حق أم طلب يحتاج إلى قبول؟ في المقابل، يبقى السؤال الأكثر إثارة هو موقف الحزب من الاستقالة نفسها.
ففي رسالتها، أعلنت شباط استقالتها التامة والنهائية من الحزب ومن جميع هياكله، بينما جاء جواب الأمين العام ليؤكد أن الاستقالة حق مشروع، لكنه ربط ترتيب آثارها القانونية باستيفاء الشكليات وتسوية المستحقات المالية.
وهنا تتقاطع مقتضيات القانون التنظيمي للأحزاب مع مقتضيات النظام الأساسي للحزب.
فالقانون يقرر حق العضو في الانسحاب من الحزب، في حين يتضمن النظام الأساسي للحزب مقتضيات تتعلق بتسوية الالتزامات المالية ضمن ضوابط الاستقالة.
ومن ثم، فإن المسألة القانونية الأكثر دقة ليست إنكار وجود أي علاقة بين الاستقالة والالتزامات المالية، وإنما تحديد حدود هذا الارتباط: هل يكفي أن يعلن الحزب وجود دين حتى تصبح الاستقالة معلقة؟ أم أن الالتزام المالي الذي يمكن أن يؤثر في ترتيب آثار الاستقالة يجب أن يكون ثابتا ومحددا ومستندا إلى قاعدة تنظيمية صحيحة؟
وهنا يكمن جوهر النزاع.
عندما يلتقي الخلاف التنظيمي بالخلاف المالي..لا تأتي هذه القضية أيضا من فراغ سياسي.
فمنذ انتخاب ريم شباط نائبة برلمانية باسم جبهة القوى الديمقراطية في انتخابات 2021، ظلت علاقتها بقيادة الحزب مطبوعة بخلافات تنظيمية وسياسية متتالية، وصلت في مراحل منها إلى المؤسسات الحزبية والقضاء.
وقد شهدت السنوات الماضية نزاعات مرتبطة بالمجلس الوطني للحزب وبالمؤتمر الوطني السادس، كما عرف المسار محاولات مرتبطة بوضعيتها داخل مجلس النواب.
وبصرف النظر عن تقييم كل واقعة على حدة، فإن استحضار هذا السياق ضروري لفهم حساسية اللحظة الحالية.
فالمطالبة المالية التي تظهر في نهاية الولاية التشريعية، والاستقالة التي تأتي في الفترة نفسها، لا يمكن أن تقرأ فقط من زاوية محاسبية، كما لا يمكن اختزالها تلقائيا في صراع سياسي.
إنها حالة تتقاطع فيها العضوية الحزبية، والتمثيلية الانتخابية، والالتزامات المالية، والاستقالة، والعلاقة المتوترة بين القيادة وأحد المنتخبين.
من يراقب مالية الأحزاب؟
تتجاوز القضية في دلالاتها شخص ريم شباط أو قيادة جبهة القوى الديمقراطية.
فإذا كانت الأحزاب السياسية مؤسسات يفترض أن تقوم على الديمقراطية والشفافية والمحاسبة، فإن تدبير المساهمات المالية للمنتخبين ينبغي أن يخضع بدوره لقواعد واضحة وقابلة للتحقق.
فالمنتخب الذي يساهم في مالية حزبه ينبغي أن يعرف مسبقا: كم يساهم؟ وعلى أي أساس؟ ومن قرر ذلك؟ وكيف يحتسب المبلغ؟ وأين تسجل هذه المساهمات؟
وفي المقابل، يظل من حق الحزب أن يطالب بموارده المالية متى كانت مؤسسة على سند صحيح، وأن يلجأ إلى القضاء لتحصيلها إذا تعذر الوصول إلى تسوية ودية.
المشكلة تبدأ عندما تختلط المسارات: يصبح الخلاف المالي جزءا من النزاع التنظيمي، وتصبح الاستقالة جزءا من المطالبة المالية، وتتحول القيادة إلى طرف في النزاع وفي الوقت نفسه إلى الجهة التي تفسر القواعد التنظيمية.
وهنا تبرز أهمية المؤسسات الداخلية والشفافية المالية وآليات التحكيم المستقلة.
الحزب مؤسسة أم مجال للولاءات؟
ربما يكون السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه القضية هو طبيعة الحزب السياسي نفسه.
فالحزب الديمقراطي لا يفترض أن يكون مجرد علاقة ولاء بين القيادة والأعضاء، وإنما مؤسسة تقوم على قواعد مكتوبة، وحقوق وواجبات متبادلة، وآليات للمحاسبة، وقابلية حقيقية للاختلاف.
فالعضو الذي يختلف مع القيادة لا ينبغي أن يتحول تلقائيا إلى خصم، والمنتخب الذي ينسحب من الحزب لا ينبغي أن يصبح رهينة لخلاف مالي، كما أن الحزب الذي يطالب بمستحقاته لا ينبغي أن يحرم من حقه في إثباتها والمطالبة بها بالوسائل القانونية.
المطلوب هو الفصل بين المسارات: السياسة لها قواعدها، والمال له قواعده، والقضاء له كلمته.
نصف مليون درهم.. والسؤال الذي يبقى مفتوحا
في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية قضية ريم شباط في الرقم وحده، رغم أن مبلغ 516.450 درهما كفيل وحده بجعل الملف مثيرا للرأي العام.
الأهم هو ما يكشفه الرقم من أسئلة حول العلاقة بين المنتخب وحزبه: هل المساهمات المالية محددة بوضوح؟ هل يعرف المنتخب مسبقا ما له وما عليه؟ هل توجد قرارات مكتوبة ومعلنة؟ وهل يمكن أن تصبح المطالبة المالية شرطا عمليا لترتيب آثار الاستقالة؟
أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالبلاغات أو المراسلات المتبادلة، وإنما بالوثائق والنصوص والقواعد.
وفي انتظار أن تقول المؤسسات المختصة كلمتها إذا انتقل النزاع إلى القضاء، تبقى قاعدة واحدة جديرة بالتذكير: إذا كان للحزب حق مالي، فعليه أن يثبته، وإذا كان للعضو حق في الاستقالة، فعليه أن يمارسه وفق القانون. أما خلط الحقين، فيحول الخلاف الحزبي من مجرد نزاع داخلي إلى اختبار حقيقي لمدى نضج الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب المغربية.



