بين صديقي وكارمن عشق أزلي

نفث صديقي بقايا سيجارته في الهواء، ثم أطلق تنهيدة طويلة، كأنها خرجت من قاع ذاكرة عتيقة، وقال بصوت خافت:
— آه… يا ليت الزمن يعود بنا إلى الوراء!
صمت قليلًا، وحدّق بعيدًا، ثم تابع:
— لم تكن أزغنغان يومها كما تراها اليوم. كانت جماعة قروية صغيرة، قليلة السكان، يعرف أهلها بعضهم بعضًا، وتتداخل بينهم صلات القرابة والمصاهرة حتى يكادون يكونون أسرة واحدة. كانت الألفة تجمعهم، والطبيعة تحتضنهم من كل جانب.

كانت الخضرة تمتد حولها بسخاء، والمياه تنحدر من أعالي الجبال لتروي البساتين، فتتدلى أغصان الزيتون والرمان، وتتعانق الأشجار في مشهد يشبه لوحة رسمها فنان عاشق.
وكان جبل كوروكو يقف شامخًا فوقها، يحرسها بصمته الأزلي، ويمنحها هيبة لا تشبهها هيبة.
ثم ابتسم ابتسامة غامضة وقال:
— وفي تلك الأيام، كنت شابًا مثل بقية أقراني… فضوليًا، مشاغبًا، نتلصص على مجالس الكبار، لا حبًا في أحاديثهم، وإنما بحثًا عن خبر واحد بعينه…
توقّف، ثم قال:
— كارمن!
ضحكت.
— كارمن؟
هز رأسه، وكأنه يستغرب جهلي بأهم امرأة عرفتها أزغنغان.
— نعم، كارمن… بائعة تذاكر السينما!
ثم استرسل:
كان الكبار يتحدثون عنها وكأنهم يتحدثون عن امرأة خرجت للتو من شاشة السينما. يصفون جمالها، وقوامها، وأناقتها، وطريقتها في استقبال الناس. وكان بعضهم يقف في الطابور أمام شباك التذاكر لا لشراء تذكرة فحسب، وإنما ليحظى بشرف إلقاء التحية عليها.
وكان عمي عيسى يقول لجلسائه، وقد أخذ منه الهوى مأخذه:
— أبيع المزرعة كلها، وأكتب لها ما أملك، إن هي رضيت بي زوجًا!
فيرد عليه عزي خليفة، وكأنه في مزاد:
— أنت تتحدث عن مزرعة فقط؟ أنا بعت الفدان والجاموسة، واشتريت بيتًا قرب السينما، حتى أتمكن من إملاء عيني من سحر كارمن!
ضحكت من قلبي.
لكن صديقي لم يضحك.
كان يتحدث بجدية رجل يستعيد شيئًا فقده إلى الأبد.
قال:
— حتى نحن الصغار لم نسلم من سطوتها. كنا نكتب اسمها على جدران البيوت والمدرسة، ونرسم إلى جانبه قلبًا يخترقه سكين. لم نكن نفهم يومها معنى الحب، لكننا كنا نعرف أن اسم كارمن وحده يكفي ليجعل القلب يخفق.
سكت قليلًا، ثم مسح بيده على وجهه.
— وما زال اسمها إلى اليوم يتردد على الألسن… وما زال عطرها عالقًا في ذاكرة الأمكنة.
قلت له:
— وهل رحلت كارمن وحدها؟
رفع عينيه إليّ، ثم قال بحزن:
— رحلت كارمن، وبقيت أزغنغان… لكنها لم تبقَ كما كانت.
كبرت القرية، واتسعت حتى صارت مدينة. لكن المدينة الجديدة ابتلعت القرية القديمة.
اقتُلعت الأشجار، ودُكّت الحقول بالجرافات، وانحنت البساتين أمام آلة الإسمنت والطوب وخرسنات الحديد امتدت البنايات حيث كانت أشجار الزيتون، واختفت المسالك التي كنا نعبرها حفاة، وحلّت مكانها طرق لا تعرف شيئًا عن خطواتنا القديمة.
ثم ابتسم ابتسامة ساخرة وقال:
— جاء المنعشون العقاريون، وبدأوا يبيعون الذاكرة بالمتر المربع!
صمت.
ثم أضاف:
— وتبدل كل شيء… ولم يبقَ من أزغنغان القديمة إلا اسمها في ذاكرتنا.
قلت:
— ولكن المدينة أصبحت أكثر تطورًا.
نظر إليّ طويلًا، ثم قال:
— ربما… لكنها فقدت شيئًا لا يباع ولا يشترى.
— وما هو؟
قال:
— روحها.
ثم عاد إلى الحديث عن المجالس والمنتخبين، وقال بنبرة لا تخلو من مرارة:
— تناوبت المجالس على تسييرها، لكن سوء التدبير كان أسرع من عجلة التنمية. وكلما جاء منتخب جديد، وعد الناس بمدينة أجمل، فإذا بنا نستيقظ على خراب جديد!
ابتسمت وأنا أقول:
— يبدو أنك لم تنسَ كارمن.
أطرق برأسه.
قلت ممازحًا:
— كل هذا الحب كانت تحظى به كارمن؟ ماذا لو عادت اليوم، وقررت الترشح للانتخابات الجماعية؟ هل ستدعمها؟
رفع رأسه فجأة.
نظرت إليه مبتسمًا، ثم أضفت:
— أم ستتبع من يدفع لك نقدًا؟
حدّق في وجهي لحظات، ثم نهض دون أن يودعني.
ترك سيجارته مشتعلة على حافة الكرسي، ومضى.
وفي الغد، خرجت أتمشى قرب بحيرة مارتشيكا.
كان الصباح هادئًا، والماء ساكنًا إلا من تموجات خفيفة تحركها زوارق الصيادين.
وبينما كنت أتأمل المشهد، لمحت شخصًا يقف بعيدًا.
كان هو.
صديقي.
وقف صامتًا، يحدق في الزوارق وهي تبتعد ببطء نحو الأفق، وكأنه ينتظر شيئًا لن يأتي.
اقتربت منه دون أن أناديه.
كان شاردًا تمامًا.
قلت في نفسي:
هل كان ينتظر عودة كارمن؟
أم كان ينتظر عودة أزغنغان التي عرفها؟
أم أن بعض الناس لا يشتاقون إلى الأشخاص بقدر ما يشتاقون إلى الزمن الذي كان يجمعهم بهم؟
بقيت واقفًا خلفه لحظات.
وفجأة، التفت إليّ، وابتسم.
ثم قال:
— لو عادت كارمن اليوم… لعرفتُ لمن سأصوّت.
ضحكت وقلت:
— ولكني لم أسألك بعد… هل ستصوّت لها؟
قال وهو يعاود النظر إلى الزوارق:
— لا… سأصوّت للزمن الذي كانت تمثله.
ثم سكت.
وكانت الشمس تميل نحو الغروب، بينما كانت زوارق الصيادين تعود واحدة تلو الأخرى.
أما كارمن…
فلم تعد.
لكن اسمها ظلّ هناك، في مكان ما بين ذاكرة صديقي، وجدران المدينة القديمة، ورائحة الزيتون، وماء مارتشيكا…
كأنها لم تكن امرأة فحسب، بل كانت زمنًا كاملًا… كلما رحل، ازداد جمالًا في الذاكرة.



