قاموس الشعبوية في الخطاب السياسي المغربي: “المايو” بين بلاغة القرب وانفلات الدلالة

ألمانيا : منير لكماني
قد تمر كلمة واحدة في الخطاب السياسي أسرع من برنامج انتخابي كامل، لكنها تترك وراءها أسئلة لا تنتهي بانتهاء المناسبة التي قيلت فيها. فالسياسة لا تصنع مواقفها بالأفكار وحدها، بل تصنعها أيضا باللغة، وبالصور التي تختارها لتقريب المعنى من الجمهور. ومن هذه الزاوية تكتسب العبارة المتداولة «لقجع ما كيتلاحش بلا مايو» أهمية تتجاوز طرافتها الظاهرة، لأنها تفتح الباب أمام قراءة أعمق للغة السياسة، ولما يمكن أن تخفيه كلمة يومية بسيطة من إشارات إلى القوة والاستعداد والحماية وشروط الدخول إلى المجال العام.
في معناها المباشر، لا تحتاج العبارة إلى كثير من الشرح. فـ«التلاح» في الدارجة المغربية يحيل إلى الاندفاع أو إلقاء النفس، و«المايو» هو لباس السباحة. ومن لا يلقي بنفسه في البحر من دون لباس مناسب هو، مجازا، شخص لا يدخل مغامرة من دون استعداد. وبذلك يصبح البحر صورة للسياسة بما فيها من منافسة وتقلبات ومخاطر، بينما يتحول «المايو» إلى رمز للخبرة والكفاءة والقدرة على التحرك داخل مجال معقد.
هذه هي القراءة الأولى، وهي قراءة مدحية في جوهرها. فالدخول إلى السياسة لا يكون من فراغ، بل يستند إلى رصيد سابق من الخبرة والحضور والقدرة على التدبير. غير أن الكلمات السياسية، بمجرد خروجها إلى المجال العام، لا تبقى ملكا لمن نطق بها، بل تصبح قابلة للتأويل بحسب موقع المتلقي ونظرته إلى الأشخاص والمؤسسات.
وهنا يبدأ «المايو» في التحول من لباس سباحة إلى شيفرة سياسية.
فإذا كان لباس السباحة أداة تجعل دخول البحر أكثر أمنا، فهل يرمز «المايو» إلى الكفاءة وحدها، أم يمكن أن يرمز أيضا إلى نوع من الحماية؟ وهل المقصود أن الداخل إلى السياسة يعرف السباحة، أم أن شروط النزول إلى الماء أصبحت مهيأة له قبل أن يبدأ؟
هذه الأسئلة لا تعني توجيه اتهام إلى شخص بعينه، وإنما تكشف ما تسمح به الاستعارة نفسها من قراءات. فقد يفهم «المايو» باعتباره الخبرة المهنية والمؤسساتية، وقد يفهم باعتباره الشهرة والحضور العمومي، كما قد يقرأه آخرون بوصفه شبكة من الضمانات والعلاقات والمواقع التي تجعل الدخول إلى السياسة أقل خطرا مما هو بالنسبة إلى فاعل يبدأ من الصفر.
بهذا المعنى، تفتح العبارة سؤالا أوسع من صاحبها: هل يدخل جميع الفاعلين المجال السياسي من نقطة البداية نفسها؟
السياسة الحديثة لا تقوم فقط على البرامج والأحزاب والانتخابات، بل تقوم كذلك على ما يسمى بالرأسمال الرمزي. فالشهرة، والنجاح المهني، والحضور الإعلامي، والموقع داخل مؤسسات الدولة أو المجتمع، كلها موارد يمكن أن تنتقل من مجال إلى آخر وتتحول إلى قوة سياسية. والشخص المعروف قبل دخوله الحزبي لا يبدأ المسار بالطريقة نفسها التي يبدأ بها فاعل مجهول يحتاج سنوات لبناء اسمه وثقة الناس فيه.
عند هذه النقطة يصبح «المايو» أكثر من مجرد رمز للاستعداد؛ إنه قد يصبح صورة مكثفة للرأسمال الذي يسبق الدخول إلى المنافسة.
وهنا تظهر إحدى خصائص الخطاب الشعبوي: قدرته على ضغط معان معقدة داخل تعبير بسيط. فبدل الحديث عن الرصيد المؤسساتي، وشبكات العلاقات، والرأسمال الرمزي، وشروط الانتقال بين مواقع النفوذ، تأتي كلمة من الحياة اليومية لتختصر كل ذلك في صورة يفهمها الجميع. إنها لغة قريبة من الناس، لكنها ليست بالضرورة بريئة من الدلالات السياسية.
ولعل قوة العبارة تكمن تحديدا في غموضها. فمن أراد المدح رأى فيها الكفاءة والاستعداد، ومن أراد النقد قرأ فيها الحماية والضمانات، ومن أراد السخرية وجد فيها مادة سهلة التداول. وهكذا تتحول الكلمة إلى مساحة يضع فيها كل متلق تصوره الخاص عن السياسة ومن يدخلها وكيف يدخلها.
لذلك لا تكمن أهمية «المايو» في معناه المعجمي، بل فيما يكشفه من أسئلة حول شروط المشاركة والمنافسة وتكافؤ الفرص داخل المجال السياسي. فليست القضية فيمن يرتدي لباس السباحة ومن لا يرتديه، وإنما في طبيعة البحر نفسه: هل أبوابه مفتوحة للجميع بالشروط ذاتها، أم أن بعض السباحين يصلون إلى الشاطئ وهم مجهزون مسبقا بما يجعل الرحلة أقل مخاطرة؟
قد تنتهي العبارة بانتهاء الضحك الذي صاحبها، لكن شيفرتها تبقى مفتوحة. فالسياسة لا تختبر فقط قدرة الفاعل على السباحة، بل تختبر أيضا عدالة البحر الذي يسبح فيه الجميع. وحين تصبح كلمة مثل «المايو» قادرة على استدعاء أسئلة الكفاءة والحماية والنفوذ وتكافؤ الفرص في آن واحد، فإنها تتوقف عن كونها نكتة لغوية، وتصبح مرآة صغيرة تعكس جزءا من صورة السياسة نفسها.



