تغيير المسار أم سباق الوعود؟.. حزب البام يضع نفسه أمام اختبار صعب

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، وبعد سلسلة من اللقاءات التواصلية، خرجت اليوم الأحزاب السياسية للكشف عن أوراقها الانتخابية وبرامجها التي قالت أنها ستعتمدها لتغيير حال المواطن المغربي. وفي مقدمة هذه الأحزاب، حزب الأصالة والمعاصرة الذي اختار أن يدخل السباق الانتخابي بشعار تغيير المسار، حاملا بذلك برنامجا يقوم على مجموعة من الوعود والالتزامات الاجتماعية والاقتصادية التي تستهدف، بحسب رأي المكتب السياسي للحزب، إعادة الثقة وتحسين شروط عيش المغاربة.
لكن، ما إن خرج هذا البرنامج إلى العلن، حتى بدأت تطرح أسئلة جوهرية وواقعية حول مدى جدية وواقعية البعض من هذه الالتزامات، خصوصا تلك التي تبدو، في نظر عدد من المتتبعين، ذات سقف مرتفع جدا مقارنة بالإمكانات المالية أي الغلاف المالي المخصص لتنزيلها، وبالمدة الزمنية أيضا التي يفترض أن تنفذ خلالها.
ومن أبرز ما أثار الانتباه في برنامج حزب البام، التعهد بإحداث مليون منصب شغل خلال الولاية المقبلة، الالتزام الذي يعيدنا الى الحكومة السابقة التي كان الحزب شريكا أساسيا فيها والتي فشلت في تنزيله وتحقيقه، ولا سيما وأن التشغيل يمثل أحد أكبر انتظارات المغاربة، خصوصا الشباب، وأن أي برنامج سياسي جاد لا يمكن أن يتجاهل أزمة البطالة. لكن يبقى السؤال كيف سيتم إحداث هذا العدد من المناصب؟ وما القطاعات التي ستستوعبها؟ وما نسبة المناصب المباشرة وغير المباشرة؟ وهل الإحداث سيبقى مرهونا فقط ببطولة كأس العالم التي سيحتضنها المغرب؟
من هنا، تبدأ المسافة بين الشعار والواقع، فالأرقام الكبيرة سهلة في الحملات الانتخابية، لكن تحويلها إلى وظائف حقيقية ومستدامة يتطلب استثمارات، ونموا اقتصاديا قويا، ومناخا ملائما للمقاولة، وسياسات صناعية وفلاحية ورقمية واضحة، إضافة إلى إصلاحات عميقة في منظومة التكوين والتشغيل.
من الوعود التي أثارت اهتمام المتتبعين أيضا، تعهد الحزب بجعل فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم شهريا مجانية بالكامل.
قد يبدو هذا الالتزام مغريا بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود، لكنه يفتح في المقابل نقاشا حول الجهة التي ستتحمل هذه التكلفة المجانية.
فالمجانية في السياسة ليست مستمرة، إذا لم يدفع المواطن، فمن سيدفع؟ هل ستتحمل الدولة الفارق من الميزانية العامة؟ أم ستتحمله الشركات المكلفة بالكهرباء؟ أم سيتم تعويضه عبر آليات أخرى؟ وهل ستظل هذه السياسة قابلة للاستمرار على المدى المتوسط والبعيد؟
حزب البام وضع كذلك مسألة القدرة الشرائية والأسعار في صدارة برنامجه الانتخابي، متعهدا بالعمل على إعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية، كما سبق وأن تعهد في لقاءاته التواصلية.
وهنا أيضا تبرز إشكالية أساسية، ما المقصود بالمستوى الطبيعي للأسعار؟ وكيف ستتدخل الحكومة لضبطها في ظل اقتصاد تحكمه عوامل متعددة من الإنتاج والاستيراد إلى الأسواق العالمية وتكاليف الطاقة والنقل وسلاسل التوزيع؟ وإذا كان الحزب قادرا فعلا على تحقيق هذا الالتزام، لماذا تأخر في ذلك ولم يقم به من داخل حكومة الكفاءات التي كان من مكوناتها؟ فمحاربة الغلاء ليست مجرد قرار إداري بسيط، ولا يمكن اختزاله في إعلان انتخابي، المغاربة يريدون أسعارا معقولة، نعم، لكنهم يريدون قبل ذلك، سياسة واضحة ومستمرة تمنع أسباب الغلاء، لا مجرد وعود بمحاربة نتائجه.
وبين تغيير المسار الذي يرفعه حزب الأصالة والمعاصرة، وبين استمرار المسار نفسه بأدوات جديدة، ستكون هنالك مسافة لا يحسمها الخطاب الانتخابي، وإنما يحسمها الواقع.
ويبقى السؤال المطروح، هل قدم البام برنامجا انتخابيا قابلا للتنفيذ، أم أنه قدم للمغاربة سقفا مرتفعا من الوعود سيصطدم، بعد الانتخابات، بسقف الإمكانات؟
الأكيد، أن الإجابة لن تكون في الندوات الصحفية ولا في المنصات الانتخابية، بل في اليوم الذي تتحول فيه الوعود إلى قرارات، والقرارات إلى نتائج، والنتائج إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.



