إفريقيا..أمن الساحل يهتزّ والانتخابات تعيد رسم خرائط النفوذ

الرادار الإفريقي-الأحد 6 شتنبر 2026
عين الرباط على إفريقيا
تدخل إفريقيا أسبوعاً جديداً وهي تضع فوق طاولتها السياسية والأمنية أكثر من ملف مفتوح، لكن العنوان الأكثر إثارة للقلق يأتي هذه المرة من قلب الأنظمة العسكرية في الساحل: فبعد سنوات من تقديم الانقلابات العسكرية باعتبارها طريقاً لاستعادة السيادة، بدأت التصدعات تظهر داخل الجيوش نفسها، بما يطرح سؤالاً أكبر من مجرد تغيير السلطة؛ هل أصبحت أزمة الدولة في الساحل تنتقل من الشارع إلى المؤسسة العسكرية؟
ما حدث في النيجر نهاية غشت الماضي لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تمرد عسكري عابر. فمحاولة مجموعة من العسكريين السيطرة على مواقع استراتيجية في نيامي، بينها قاعدة جوية ومحيط القصر الرئاسي، كشفت أن التحدي الذي يواجه قيادة عبد الرحمن تياني لم يعد يأتي فقط من الجماعات المسلحة، بل بدأ يطل من داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون عماد النظام نفسه.
والأكثر دلالة أن استعادة السيطرة ارتبطت بتدخل مباشر لقوات Africa Corps الروسية، وهو ما يعكس درجة الاعتماد المتزايدة للسلطة في نيامي على موسكو في المجال الأمني. وهنا تكمن المفارقة؛ الانقلاب الذي جاء أصلاً تحت شعار السيادة الوطنية وجد نفسه محتاجاً إلى قوة أجنبية لحماية السلطة من انقلاب آخر. وهذا ليس تفصيلاً صغيراً، بل مؤشر استراتيجي على طبيعة التحولات الجارية في الساحل.
فإذا كانت الجيوش عاجزة عن احتواء التهديدات الجهادية، وإذا كان العسكريون أنفسهم بدأوا يعبّرون عن غضبهم من الخسائر وتدهور الوضع الأمني، فإن السؤال يصب؛ إلى أي مدى تستطيع الأنظمة العسكرية المحافظة على شرعيتها بمجرد امتلاكها القوة؟
وفي المقابل، تبدو المعادلة الجديدة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر تقوم على الابتعاد عن القوى الغربية، خصوصاً فرنسا، فيما تشتغل على بناء شراكات أمنية مع روسيا. لكن تجربة النيجر الأخيرة تعيد طرح سؤال صعب؛ هل يتعلق الأمر فعلاً بإعادة بناء السيادة، أم بإعادة توزيع الاعتماد الخارجي؟ فروسيا أصبحت لاعباً أمنياً أكثر حضوراً في منطقة الساحل، بينما تتراجع البصمة الغربية. غير أن استمرار الهجمات الجهادية، وتنامي التوتر داخل المؤسسات العسكرية، يضعان هذه الاستراتيجية أمام اختبار حقيقي.
الساحل الأطلسي..معركة النفوذ
وفي مقابل الساحل المضطرب، تواصل دول أخرى إعادة تعريف موقعها من خلال الجغرافيا الاقتصادية. فالممرات الأطلسية، والموانئ، والطاقة، والمعادن، وربط الدول غير الساحلية بالمحيط، أصبحت جزءاً من معركة النفوذ الجديدة في إفريقيا.
وهنا يبرز المغرب باعتباره أحد الفاعلين الذين يحاولون تحويل الموقع الجغرافي إلى دور استراتيجي، خصوصاً عبر الانفتاح الأطلسي وربط دول الساحل بالمجال البحري. وتتابع مراكز بحثية هذا التوجه باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل العلاقات بين المغرب وغرب إفريقيا ودول الساحل. وهذه المعركة مختلفة عن صراعات الماضي. فإفريقيا لم تعد تبحث فقط عمن يملك القواعد العسكرية، بل عمن يملك الموانئ وسلاسل الإمداد والطاقة والطرق التجارية والبيانات والاستثمارات.
الانتخابات الإفريقية.. الديمقراطية أمام امتحان الأمن
تعد سنة 2026 ليست سنة أمن فقط، وإنما سنة انتخابية بامتياز. فالقارة الأفريقية تعرف سلسلة من الاستحقاقات التي تتقاطع فيها الانتخابات مع الصراعات الداخلية، وتنافس النخب، وتدخلات القوى الخارجية، واحتجاجات الشباب، وأزمة الثقة في المؤسسات. ويشير مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى أن المشهد الانتخابي الإفريقي خلال 2026 يتشكل في ظل الصراعات، واستمرار بعض الأنظمة، وتنامي الاحتقان الشبابي، وتأثير الفاعلين الخارجيين .
وهنا تبرز معادلة خطيرة، كلما ضعفت الدولة أمنياً، أصبحت الانتخابات أكثر هشاشة؛ وكلما ضعفت المؤسسات السياسية، أصبح الأمن أكثر قابلية للعسكرة. وبذلك لا يمكن فصل الديمقراطية عن الأمن، ولا الأمن عن التنمية.
مؤشر إفريقيا الاقتصادي
الاقتصاد الإفريقي يدخل بدوره مرحلة شديدة الحساسية، في ظل ارتفاع مخاطر الطاقة وتوتر الأسواق العالمية وتداعيات الصراعات الدولية على التضخم وسلاسل الإمداد. والأهم أن القارة تواجه مفارقة مزدوجة؛ موارد طبيعية ضخمة، مقابل هشاشة في التصنيع وسلاسل القيمة. وهذا يعني أن المعركة القادمة لن تكون فقط حول استخراج الذهب واليورانيوم والنفط والغاز، بل حول السؤال الأهم، من سيصنع هذه الثروات داخل إفريقيا؟
فالانتقال من اقتصاد تصدير المواد الخام إلى اقتصاد صناعي قادر على خلق القيمة المضافة سيكون أحد المحددات الأساسية لمستقبل القارة.
المغرب.. الانتخابات تقترب والرهان يتجاوز صناديق الاقتراع
وفي الرباط، تدخل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 مرحلة أكثر حساسية، مع اقتراب موعد الاقتراع وتكثيف الأحزاب تحركاتها الميدانية والسياسية. لكن أهمية الاستحقاق المغربي لا تكمن فقط في عدد المقاعد المتنافس عليها أو في الخريطة الحزبية التي ستفرزها صناديق الاقتراع، وإنما في طبيعة المرحلة التي تأتي فيها الانتخابات.
فالمغرب يقف أمام أسئلة تتجاوز تشكيل أغلبية حكومية جديد، وهي أسئلة حول الاقتصاد، التشغيل، العدالة الاجتماعية، الماء، الأمن الغذائي، الاستثمار، وموقع المملكة داخل إفريقيا.
ومن زاوية الرادار الإفريقي، فإن الانتخابات المغربية ستكون أيضاً اختباراً لمدى قدرة الأحزاب على تقديم تصور واضح حول المغرب الإفريقي: هل تستمر المملكة في الانتقال من سياسة الحضور في إفريقيا إلى سياسة صناعة الأدوار داخلها؟ فالقارة تتغير بسرعة، والساحل يعيد ترتيب تحالفاته، والقوى الدولية تتنافس على الموارد والممرات والأسواق.
وفي هذا المشهد، لم يعد السؤال، أين يوجد المغرب داخل إفريقيا؟بل أصبح السؤال الأكثر أهمية، ما الدور الذي يريد المغرب أن يلعبه في إفريقيا الجديدة؟
ما وراء الرادار
إفريقيا تدخل مرحلة لا يكفي فيها امتلاك الموقع الجغرافي أو الثروات أو الجيوش. القوة الإفريقية القادمة ستكون لمن يستطيع أن يجمع بين الأمن والاقتصاد والديمقراطية والجغرافيا.والنيجر تقدم اليوم درساً قاسياً، قد تنجح في إسقاط حكومة، لكن إسقاط الأزمة أصعب بكثير.
أما المغرب، فمع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، يبقى الرهان الحقيقي ليس فقط على من سيفوز بالمقاعد، وإنما على أي مشروع سياسي سيحمل المغرب إلى المرحلة الإفريقية المقبلة.
الرادار الإفريقي — نقرأ إفريقيا من الرباط…ونقرأ العالم من إفريقيا.



