أخبارالرئيسيةالناس و الحياة

النصب الرقمي و ضحايا الحلم بالثراء

لم يخسروا أموالهم فقط ، بل خسر بعضهم سنوات من حياته، ثقته في الآخرين، واستقراره النفسي والأسري. بدأت الحكاية بالنسبة إلى عدد من المغاربة بإعلان على شاشة الهاتف. فرصة استثمارية تبدو بسيطة، شركة تحمل اسما أجنبيا، منصة إلكترونية بواجهة احترافية، ووعود بأرباح تبدو في البداية معقولة.
لم يكن المطلوب سوى مبلغ صغير للدخول ، عشرات الدراهم، أو عشرة دولارات. وبالنسبة إلى شخص يبحث عن تحسين دخله أو تحقيق حلم ظل يؤجله لسنوات، لم يكن المبلغ كبيرا .

ثم تأتي الخطوة التالية , ربح صغير يظهر على الشاشة، يسمح للضحية أحيانا بسحب جزء محدود من أمواله، فيزداد اطمئنانه إلى المنصة. هنا يبدأ الوهم في التحول إلى “حقيقة” في ذهن الضحية، و يبدأ في التفكير في المبلغ الذي يمكن أن يربحه، في مشروعه، في مستقبله، في أسرته، وربما في التخلص من أزمات مالية ظل يعيشها لسنوات، لكن اللعبة تتغير عندما يقرر رفع حجم استثماره.

فجأة، يصبح سحب الأموال مشروطا بعملية جديدة، ثم تظهر رسوم، ثم “هامش” إضافي، ثم عملية يجب إتمامها،ثم مبلغ آخر. وكل مرة يقال له إن هذه هي الخطوة الأخيرة، وبعدها سيتمكن من استرجاع أمواله.
لكن الخطوة الأخيرة لا تأتي أبدا .

فمن الاستثمار إلى الاستنزاف
حيث تتحول العلاقة بين الضحية والمنصة، و لم يعد يبحث عن الربح، بل أصبح يبحث عن استرجاع أمواله. و قد يدفع من جديد،و يقترض من صديق، أو أحد أفراد أسرته، أو يبحث عن أي مصدر للسيولة، لأنه أصبح مقتنعا بأن خسارته يمكن إصلاحها إذا دفع المبلغ المطلوب.

وهذه ربما أخطر مرحلة في عملية الاحتيال؛ فالضحية لا يدفع لأنه طماع فقط، وإنما لأنه أصبح أسيرا لفكرة استرجاع ما فقده، ومع مرور الوقت، يمكن أن تتضخم الخسائر إلى آلاف أو عشرات الآلاف من الدراهم، لكن الفاتورة الحقيقية قد تكون أكبر بكثير.
المال يضيع… والصحة النفسية تدفع الثمن، بعد اكتشاف الحقيقة، تبدأ مرحلة أخرى لا تظهر في الحساب البنكي، الصدمة؛ الإحساس بالذنب؛ الخجل من إخبار الأسرة؛ الخوف من مواجهة الدائنين؛ الندم؛ الأرق والقلق. و في بعض الحالات، قد تتطور المعاناة النفسية إلى أعراض واختلالات تستدعي مساعدة متخصصة.
فبعض الضحايا يعيشون السؤال نفسه يوميا؛ كيف صدقتهم؟ وقد يصبح هذا السؤال أقسى من الخسارة المالية نفسها.
فالشخص لا يشعر بأنه خسر المال فقط، بل يشعر بأنه خسر قدرته على اتخاذ القرار، وأنه سمح لنفسه بأن يكون ضحية.
و هنا يجب أن نتوقف عن تحميل الضحية وحده مسؤولية ما حدث، لأن شبكات الاحتيال الرقمي الحديثة لا تعتمد فقط على الكذب المباشر، وإنما على تقنيات الاستدراج و بناء الثقة والتأثير في القرار. لاسيما انها تعرف كيف تجذب المستخدم، وكيف تقدم له ربحا أوليا، وكيف ترفع مستوى المخاطرة تدريجيا، وكيف تجعله يعتقد أن الخسارة مؤقتة وأن الحل لا يتطلب سوى دفعة أخرى.

ثم أحلام بنيت على شاشة هاتف، فخلف كل حساب مالي قصة إنسان؛ شخص كان يحلم بمشروع؛ آخر كان يريد تحسين وضع أسرته؛ شخص ثالث رأى في الاستثمار فرصة للخروج من أزمة مالية؛ و هناك من تصور أنه وجد أخيرا الطريق إلى الاستقرار.

لكن الشركات الوهمية لا تبيع فقط “الاستثمار”، إنها تبيع الأمل. والأمل، عندما يكون الإنسان تحت ضغط الحاجة، يمكن أن يصبح نقطة ضعف خطيرة.

لهذا فإن ملف النصب الرقمي يجب ألا يقرأ فقط باعتباره جريمة مالية أو تقنية؛ إنه أيضا ملف اجتماعي ونفسي.
فكل مبلغ ضائع قد يخلف وراءه أسرة متضررة، وكل ضحية قد تحمل معه أثرا نفسيا لا يظهر في الأرقام.

السؤال الذي يجب أن يطرح؛ إذا كانت هذه المنصات قادرة على الوصول إلى آلاف المغاربة عبر الإعلانات الرقمية، وإذا كانت تستطيع إقناعهم بتحويل أموالهم إلى جهات وشركات غير واضحة الهوية، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط : لماذا صدق الضحايا؟ ؛ بل يجب أن نسأل أيضا، كيف اشتغلت هذه المنظومات؟؛ و من يقف وراءها؟؛و أين ذهبت الأموال؟؛ و كيف تمكنت من الوصول إلى الضحايا و استدراجهم؟؛
والأهم، كم عدد المغاربة الذين مروا بالتجربة نفسها ولم يتحدثوا عنها؟.

فالأرقام المالية يمكن حسابها؛ أما الخسائر النفسية والاجتماعية، فقد تحتاج سنوات حتى تظهر حقيقتها.
وربما يكون أخطر ما خلفه هذا النوع من الاحتيال أن بعض الضحايا لم يخسروا المال فقط…

فقد خسروا جزءا من ثقتهم في الحياة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button